الفرق بين المراجعتين ل"الجينوم الخردة"

من Wiki Tanweer
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
 
سطر ٤: سطر ٤:
اكتشف مندل Mendel أسس الوراثة، بإثباته أن سمات نبات البازلاء مُحَدَدة بعوامل منفصلة يتم توارثها عبر الأجيال<ref>Bateson W, Mendel G. Mendel's Principles of Heredity, A Defence. 1902.</ref>، وأطلق عالم النبات الدنماركي يوهانسون اسم [[جين|جينات]] على هذه العوامل<ref>Johannsen, W. (1905). ''Arvelighedslærens elementer'' ("The Elements of Heredity". Copenhagen)</ref>. ثم اكتُشف في الأربعينيات أن المكون المادي لهذه الجينات هو الحمض النووي منقوص الأكسجين في الكروموسومات، وفي عام 1953 اكتشف واطسون وكريك بنية الحمض النووي منقوص الأكسجين أو الدنا DNA اختصارًا<ref>James D. Watson & Francis H. C. Crick, “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid,” ''Nature'' 171 (1953): 737–738.</ref>  كاشفين بذلك "سر الحياة"، ثم توالت الاكتشافات في العقدين التاليين لفهم وظيفة الدنا، فتبين أن الدنا ينسخ بدايةً إلى رنا (الحمض النووي الريبازي) ثم يترجم الرنا إلى بروتينات بحيث ترمز كل ثلاثة أسس من الرنا (وبالتالي من الدنا) حمضًا أمينيًا واحدًا في البروتين المصنوع (الشكل). يطلق على عملية انتساخ الرنا من الدنا بالانتساخ transcription، تصور أنك تكتب نصًا على دفترك من كتاب مفتوح أمامك، إنك تنسخ النص في دفترك، وهذا ما تفعله الخلية حيث يقوم إنزيم بصنع جزيئات رنا جديدة وفقًا لتسلسل الدنا، فهو ينسخ تسلسل الرنا من الدنا في الخلية. وتسمى جزيئة الرنا الناتجة بالنسخة transcript أو النساخة. أما عملية صنع البروتينات وفقًا للرنا فهي ترجمة (لأن الخلية تكتب البروتينات بلغة جديدة وفقًا للغة الرنا).
اكتشف مندل Mendel أسس الوراثة، بإثباته أن سمات نبات البازلاء مُحَدَدة بعوامل منفصلة يتم توارثها عبر الأجيال<ref>Bateson W, Mendel G. Mendel's Principles of Heredity, A Defence. 1902.</ref>، وأطلق عالم النبات الدنماركي يوهانسون اسم [[جين|جينات]] على هذه العوامل<ref>Johannsen, W. (1905). ''Arvelighedslærens elementer'' ("The Elements of Heredity". Copenhagen)</ref>. ثم اكتُشف في الأربعينيات أن المكون المادي لهذه الجينات هو الحمض النووي منقوص الأكسجين في الكروموسومات، وفي عام 1953 اكتشف واطسون وكريك بنية الحمض النووي منقوص الأكسجين أو الدنا DNA اختصارًا<ref>James D. Watson & Francis H. C. Crick, “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid,” ''Nature'' 171 (1953): 737–738.</ref>  كاشفين بذلك "سر الحياة"، ثم توالت الاكتشافات في العقدين التاليين لفهم وظيفة الدنا، فتبين أن الدنا ينسخ بدايةً إلى رنا (الحمض النووي الريبازي) ثم يترجم الرنا إلى بروتينات بحيث ترمز كل ثلاثة أسس من الرنا (وبالتالي من الدنا) حمضًا أمينيًا واحدًا في البروتين المصنوع (الشكل). يطلق على عملية انتساخ الرنا من الدنا بالانتساخ transcription، تصور أنك تكتب نصًا على دفترك من كتاب مفتوح أمامك، إنك تنسخ النص في دفترك، وهذا ما تفعله الخلية حيث يقوم إنزيم بصنع جزيئات رنا جديدة وفقًا لتسلسل الدنا، فهو ينسخ تسلسل الرنا من الدنا في الخلية. وتسمى جزيئة الرنا الناتجة بالنسخة transcript أو النساخة. أما عملية صنع البروتينات وفقًا للرنا فهي ترجمة (لأن الخلية تكتب البروتينات بلغة جديدة وفقًا للغة الرنا).
[[ملف:1000px-Genetic code.svg.png|تصغير|من الدنا إلى البروتين]]
[[ملف:1000px-Genetic code.svg.png|تصغير|من الدنا إلى البروتين]]
أخيرًا، اكتشفت لغة الحياة، لغة الكودونات، كل ثلاثة أسس تسمى كودون وهذه الكودونات ترمز الحموض الأمينية العشرين اللازمة لبروتينات الجسم، لكن القصة لا تنتهي هنا، فقد اكتشف أن الجينات في الجينوم (أي الدنا الذي يرمز للبروتينات) مفصولة عن بعضها البعض بدنا لا يمكن ترجمته لبروتينات.  وفق المنظور التطوري الحياة عشوائية ولا بد أن هذا الدنا مجرد '''خردة''' لا وظيفة له، وهذا ما حصل، ففي عام 1972 نشر البيولوجي سوسومو أونو مقالة دعا فيها الدنا غير القابل للترجمة إلى بروتينات بالدنا '''الخردة'''<ref name=":0">Susumu Ohno, “So much ‘junk’ DNA in our genome,” ''Brookhaven Symposia in Biology'' 23 (1972): 366–70.</ref>. وسرعان ما ركب التطوريون هذه الموجة فكتب التطوري الشهير داوكنز كتابه الشهير '''الجين الأناني''' وقال: لا يترجم جزء كبير من الدنا إلى بروتين أبدًا. من وجهة نظر كائن مفرد يبدو هذا الأمر متناقضًا. فإذا كان "غرض" الدنا الإشراف على بناء الأجساد، من المفاجئ أن نجد كمية كبيرة من الدنا لا تفعل شيئًا. يجهد البيولوجيين في معرفة ما هي المهمة المفيدة لهذا الدنا الفائض بوضوح. لكن من وجهة نظر الجينات الأنانية أنفسها، ليس هناك تناقض. "الغرض" الحقيقي للدنا هو البقاء على قيد الحياة، لا أكثر ولا أقل<ref name=":1">Dawkins, ''The Selfish Gene. p. 47''</ref>. أصر الدارونيون على تحيزهم الأعمى عبر السنين، وبشكل خاص للرد على دعوات رؤية التصميم الذكي في خلق الإنسان فيقول شيمر :لا بد أن نتساءل كيف أضاف المصمم الذكي دنا خردة إلى جينومينا، نسخ متكررة من الدنا غير المفيد، والجينات اليتيمة، والشظايا الجينية والتكرارات المتتالية والجينات الزائفة، والتي لا يضلع أي منها مباشرة في صنع الإنسان البشري<ref>Michael Shermer, ''Why Darwin Matters: The Case Against Intelligent Design'' (New York: Holt, 2006), pp. 74–75.</ref>. في حين يقول كوين أن جينومنا (وجينوم الأنواع الأخرى) ممتلئ بمقابر الجينات الميتة<ref name=":2">Jerry A. Coyne, ''Why Evolution Is True'' (New York: Viking, 2009), pp. 66–67, 81</ref>.
أخيرًا، تُرجمت لغة الحياة، لغة الكودونات، كل ثلاثة أسس تسمى كودون وهذه الكودونات ترمز الحموض الأمينية العشرين اللازمة لبروتينات الجسم، لكن القصة لا تنتهي هنا، فقد اكتشف أن الجينات في الجينوم (أي الدنا الذي يرمز للبروتينات) مفصولة عن بعضها البعض بدنا لا يمكن ترجمته لبروتينات.  وفق المنظور التطوري الحياة عشوائية ولا بد أن هذا الدنا مجرد '''خردة''' لا وظيفة له، وهذا ما حصل، ففي عام 1972 نشر البيولوجي سوسومو أونو مقالة دعا فيها الدنا غير القابل للترجمة إلى بروتينات بالدنا '''الخردة'''<ref name=":0">Susumu Ohno, “So much ‘junk’ DNA in our genome,” ''Brookhaven Symposia in Biology'' 23 (1972): 366–70.</ref>. وسرعان ما ركب التطوريون هذه الموجة فكتب التطوري الشهير داوكنز كتابه الشهير '''الجين الأناني''' وقال: لا يترجم جزء كبير من الدنا إلى بروتين أبدًا. من وجهة نظر كائن مفرد يبدو هذا الأمر متناقضًا. فإذا كان "غرض" الدنا الإشراف على بناء الأجساد، من المفاجئ أن نجد كمية كبيرة من الدنا لا تفعل شيئًا. يجهد البيولوجيين في معرفة ما هي المهمة المفيدة لهذا الدنا الفائض بوضوح. لكن من وجهة نظر الجينات الأنانية أنفسها، ليس هناك تناقض. "الغرض" الحقيقي للدنا هو البقاء على قيد الحياة، لا أكثر ولا أقل<ref name=":1">Dawkins, ''The Selfish Gene. p. 47''</ref>. أصر الدارونيون على تحيزهم الأعمى عبر السنين، وبشكل خاص للرد على دعوات رؤية التصميم الذكي في خلق الإنسان فيقول شيمر :لا بد أن نتساءل كيف أضاف المصمم الذكي دنا خردة إلى جينومينا، نسخ متكررة من الدنا غير المفيد، والجينات اليتيمة، والشظايا الجينية والتكرارات المتتالية والجينات الزائفة، والتي لا يضلع أي منها مباشرة في صنع الإنسان البشري<ref>Michael Shermer, ''Why Darwin Matters: The Case Against Intelligent Design'' (New York: Holt, 2006), pp. 74–75.</ref>. في حين يقول كوين أن جينومنا (وجينوم الأنواع الأخرى) ممتلئ بمقابر الجينات الميتة<ref name=":2">Jerry A. Coyne, ''Why Evolution Is True'' (New York: Viking, 2009), pp. 66–67, 81</ref>.


كالعادة أعاقت هذه النظرة دراسة وظيفة هذا الدنا، وأخرت البيولوجيا عقودًا من الزمن (كما أخرت اكتشافات بيولوجية أخرى مثل اكتشاف وظيفة الغدة الصنوبرية والسعترية وغيرها بصفتها أعضاء ضامرة لا وظيفة لها، وكما أخرت نظرية مندل الوراثية نصف قرن لأنها تتعارض مع نظرية التطور) فقد صد مصطلح "الدنا الخردة" الباحثين عن دراسة المادة الجينية غير المرمزة للعديد من السنين. فبعد كل شيء، من يريد أن يبحث في الزبالة الجينومية؟<ref>https://www.scientificamerican.com/article/what-is-junk-dna-and-what/</ref> على حد تعبير أحد الباحثين. لكن لا بد من ظهور الحقيقة ولو بعد حين، فقد توالت الاكتشافات عبر السنين مبينة وظائف الدنا الخردة بأنواعه المختلفة واحدًا بعد الآخر.
كالعادة أعاقت هذه النظرة دراسة وظيفة هذا الدنا، وأخرت البيولوجيا عقودًا من الزمن (كما أخرت اكتشافات بيولوجية أخرى مثل اكتشاف وظيفة الغدة الصنوبرية والسعترية وغيرها بصفتها أعضاء ضامرة لا وظيفة لها، وكما أخرت نظرية مندل الوراثية نصف قرن لأنها تتعارض مع نظرية التطور) فقد صد مصطلح "الدنا الخردة" الباحثين عن دراسة المادة الجينية غير المرمزة للعديد من السنين. فبعد كل شيء، من يريد أن يبحث في الزبالة الجينومية؟<ref>https://www.scientificamerican.com/article/what-is-junk-dna-and-what/</ref> على حد تعبير أحد الباحثين. لكن لا بد من ظهور الحقيقة ولو بعد حين، فقد توالت الاكتشافات عبر السنين مبينة وظائف الدنا الخردة بأنواعه المختلفة واحدًا بعد الآخر.


== الدنا الخردة ليس خردة ==
== الدنا الخردة ليس خردة ==
بعد اكتشاف بنية الدنا، وضع كريك ما يدعى بالمبدأ الأساسي central dogma وهي أن الدنا يعطي رنا والرنا يعطي بروتين<ref>Francis H. C. Crick, “On Protein Synthesis,” ''The Biological Replication of Macromolecules'', Symposia of the Society for Experimental Biology, Number XII (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), pp. 138–163.</ref>. وفي السبعينيات تم تقدير أن 20% فقط من الدنا يعطي بروتينات و80% لا يُترجم إلى بروتينات <ref>David E. Comings, “The Structure and Function of Chromatin,” ''Advances in Human Genetics'' 3 (1972): 237–431</ref>وأطلق على هذا الدنا خردة<ref name=":0" /> وادعي أن لا وظيفة له بل هو مجرد مقابر للجينات<ref name=":2" /> وفائض عن الحاجة<ref name=":1" />. ورغم هذا "الافتراض المُسبق" لم يكن كامل تسلسل الجينوم البشري معروفًا ولم يتم كشفه حتى عام 2003 <ref>“International Consortium Completes Human Genome Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD </ref>، ولكن حتى قبل ذلك، تم كشف العديد من الوظائف لما يدعى بالدنا الخردة (مثلًا قدر باحثون أن 4% فقط من الرنا الناتج عن الدنا البشري سيترجم إلى بروتينات والباقي وظيفته ليست إنتاج بروتينات<ref>Fred A. Wright, William J. Lemon, Wei D. Zhao, Russell Sears, Degen Zhuo, Jian- Ping Wang, Hee-Yung Yang, Troy Baer, Don Stredney, Joe Spitzner, Al Stutz, Ralf Krahe & Bo Yuan, “A draft annotation and overview of the human genome,” Genome Biology 2:7 (2001).</ref>) ، ما دعى نفس الهيئة إلى إنشاء مشروع آخر سمي إنكود  ENCODE  (اختصارٌ لموسوعة عناصر الدنا ENCyclopedia Of DNA Elements) لتحديد العناصر الوظيفية في الجينوم البشري<ref>“The ENCODE Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD </ref>. وفي عام 2007، نشر المشروع نتائجه الأولية: "تقدم دراستنا دليلًا مقنعًا بأنه يتم انتساخ الجينوم بشكل منتشر، أي أنه يمكن إيجاد معظم أسسه في النساخات الأولية، بما فيها النساخات غير المرمزة لبروتينات"<ref>Birney E, Stamatoyannopoulos JA, Dutta A, et al. Identification and analysis of functional elements in 1% of the human genome by the ENCODE pilot project. Nature. 2007;447(7146):799-816.</ref>. ثم أتت القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير، ونشر المشاركون في مشروع إنكود نتائجهم عام 2012 في ثلاثين ورقة علمية<ref name=":3">https://www.nytimes.com/2012/09/06/science/far-from-junk-dna-dark-matter-proves-crucial-to-health.html?_r=1&</ref>، ووصلوا إلى أن 80% من الجينوم البشري على الأقل له وظيفة<ref>An integrated encyclopedia of DNA elements in the human genome. Nature. 2012;489(7414):57-74.</ref>، وأغلب هذه الوظائف ضالعة في تنظيم عمل الجينات المرمزة للبروتينات، وأصبح كثير من العلماء يطلق مصطلح "المادة المظلمة" بدلًا من الدنا الخردة<ref name=":3" />، ودحضت فكرة عدم فائدة هذه المنطقة للأبد، فمثلًا الطفرات في هذه المناطق تؤدي إلى العديد من الأمراض البشرية مثل داء كرون والتهاب المفاصل الروماتيدي والداء الزلاقي والتصلب المتعدد مما يشير إلى الأهمية البالغة لهذه المناطق في الحفاظ على وظائف فيسيولوجية طبيعية. لكن ماذا عن الـ20% الباقية؟ هل هي خردة! الجواب المحتمل هو النفي وفقًا لمدير المشروع إيوان بيرني<ref name=":4">http://blogs.discovermagazine.com/notrocketscience/2012/09/05/encode-the-rough-guide-to-the-human-genome/#.XCWEE1z7Q2w</ref> حيث قال أن المشروع درس فقط 147 نوعًا من أنواع الخلايا، والجسم البشري يحوي بضعة آلاف. وأي جزء من الجينوم ربما يتحكم بجينة في نمط خلوي محدد لكن ليس في الأنماط الأخرى. فإذا شملنا كل خلية، فسنجد الوظائف المتبقية في الـ 20% "ومن المحتمل أن تصل نسبة 80% إلى 100%" ثم يكمل "إن مصطلح "خردة" ليس بهذه الفائدة"<ref name=":4" />.   
بعد اكتشاف بنية الدنا، وضع كريك ما يدعى بالمبدأ الأساسي central dogma وهي أن الدنا يعطي رنا والرنا يعطي بروتين<ref>Francis H. C. Crick, “On Protein Synthesis,” ''The Biological Replication of Macromolecules'', Symposia of the Society for Experimental Biology, Number XII (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), pp. 138–163.</ref>. وفي السبعينيات تم تقدير أن 20% فقط من الدنا يعطي بروتينات و80% لا يُترجم إلى بروتينات <ref>David E. Comings, “The Structure and Function of Chromatin,” ''Advances in Human Genetics'' 3 (1972): 237–431</ref>وأطلق على هذا الدنا خردة<ref name=":0" /> وادعي أن لا وظيفة له بل هو مجرد مقابر للجينات<ref name=":2" /> وفائض عن الحاجة<ref name=":1" />. ورغم هذا "الافتراض المُسبق" لم يكن كامل تسلسل الجينوم البشري معروفًا ولم يتم كشفه حتى عام 2003 <ref>“International Consortium Completes Human Genome Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD </ref>، ولكن حتى قبل ذلك، تم كشف العديد من الوظائف لما يدعى بالدنا الخردة (مثلًا قدر باحثون أن 4% فقط من الرنا الناتج عن الدنا البشري سيترجم إلى بروتينات والباقي وظيفته ليست إنتاج بروتينات<ref>Fred A. Wright, William J. Lemon, Wei D. Zhao, Russell Sears, Degen Zhuo, Jian- Ping Wang, Hee-Yung Yang, Troy Baer, Don Stredney, Joe Spitzner, Al Stutz, Ralf Krahe & Bo Yuan, “A draft annotation and overview of the human genome,” Genome Biology 2:7 (2001).</ref>) ، ما دعى نفس الهيئة إلى إنشاء مشروع آخر سمي إنكود  ENCODE  (اختصارٌ لموسوعة عناصر الدنا ENCyclopedia Of DNA Elements) لتحديد العناصر الوظيفية في الجينوم البشري<ref>“The ENCODE Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD </ref>. وفي عام 2007، نشر المشروع نتائجه الأولية: "تقدم دراستنا دليلًا مقنعًا بأنه يتم انتساخ الجينوم بشكل منتشر، أي أنه يمكن إيجاد معظم أسسه في النساخات الأولية، بما فيها النساخات غير المرمزة لبروتينات"<ref>Birney E, Stamatoyannopoulos JA, Dutta A, et al. Identification and analysis of functional elements in 1% of the human genome by the ENCODE pilot project. Nature. 2007;447(7146):799-816.</ref>. ثم أتت القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير، ونشر المشاركون في مشروع إنكود نتائجهم عام 2012 في ثلاثين ورقة علمية<ref name=":3">https://www.nytimes.com/2012/09/06/science/far-from-junk-dna-dark-matter-proves-crucial-to-health.html?_r=1&</ref>، ووصلوا إلى أن 80% من الجينوم البشري على الأقل له وظيفة<ref>An integrated encyclopedia of DNA elements in the human genome. Nature. 2012;489(7414):57-74.</ref>، وأغلب هذه الوظائف ضالعة في تنظيم عمل الجينات المرمزة للبروتينات، وأصبح كثير من العلماء يطلق مصطلح "المادة المظلمة" بدلًا من الدنا الخردة<ref name=":3" />، ودحضت فكرة عدم فائدة هذه المنطقة للأبد، فمثلًا الطفرات في هذه المناطق تؤدي إلى العديد من الأمراض البشرية مثل داء كرون والتهاب المفاصل الروماتيدي والداء الزلاقي والتصلب المتعدد مما يشير إلى الأهمية البالغة لهذه المناطق في الحفاظ على وظائف فيسيولوجية طبيعية. لكن ماذا عن الـ20% الباقية؟ هل هي خردة! الجواب المحتمل هو النفي وفقًا لمدير المشروع إيوان بيرني<ref name=":4">http://blogs.discovermagazine.com/notrocketscience/2012/09/05/encode-the-rough-guide-to-the-human-genome/#.XCWEE1z7Q2w</ref> حيث قال أن المشروع درس فقط 147 نوعًا من أنواع الخلايا، والجسم البشري يحوي بضعة آلاف. وأي جزء من الجينوم ربما يتحكم بجينة في نمط خلوي محدد لكن ليس في الأنماط الأخرى. فإذا شملنا كل خلية، فسنجد الوظائف المتبقية في الـ 20% "ومن المحتمل أن تصل نسبة 80% إلى 100%" ثم يكمل "إن مصطلح "خردة" ليس بهذه الفائدة"<ref name=":4" />. الخلاصة، أثبتت الكشوفات العلمية بلا ريب خطأ استعمال لقب الخردة على الدنا الخردة، ومازالت الدراسات تتوالى لكشف وظائف هذا الدنا الخردة، لذلك يجب الحذر من ارتكاب المغالطة النابعة عن الجهل "لا أعلم وظيفته فهو بدون وظيفة" سواء الدنا الخردة عمومًا أو بعض العناصر المحددة منه.   
 
== الجينات الزائفة Pseudogenes ==
الجينات الزائفة بالتعريف هي بقايا جينات سابقة لم تعد تمتلك وظيفة بيولوجية<ref name=":5">Xu J, Zhang J. Are Human Translated Pseudogenes Functional?. Mol Biol Evol. 2016;33(3):755-60.</ref>وقد اعتبرت جزءًا من الجينوم الخردة ونسخًا فاشلة من جينات نشأت خلال تطور الجينوم<ref name=":6">Pink RC, Wicks K, Caley DP, Punch EK, Jacobs L, Carter DR. Pseudogenes: pseudo-functional or key regulators in health and disease?. RNA. 2011;17(5):792-8.</ref>ودائمًا ما استشهد بها التطوريون كحجة قوية، فيقول داوكنز: "هي جينات كانت تقوم بشيء مفيد في السابق ثم أصبحت على الهامش فهي لا تنتسخ أو تترجم أبدًا" ثم استنتج بأن الفائدة الوحيدة للجينات الزائفة هي إحراج الخلقيين<ref>Richard Dawkins, The Greatest Show on Earth: The Evidence for Evolution (New York: Free Press, 2009), pp. 332–333  </ref>. لكن عبر السنوات السابقة داوكنز هو من تعرض للإحراج حيث تبين أن العديد من الجينات الزائفة ذات وظيفة في الخلية ومازالت الاكتشافات تتوالى<ref>Pink RC, Carter DR. Pseudogenes as regulators of biological function. Essays Biochem. 2013;54:103-12.</ref><ref name=":5" /><ref name=":6" />. وعلى حد تعبير ورقة علمية: "دراسة الجينات الزائفة الوظيفية هي مجرد البداية... ما يدعى بالجينات الزائفة هي وظيفية فعليًا ولا يجب أن تعتبر دنا "خردة" أو "أحفوري" بعد الآن. لكن بالطبع مازال هنالك الكثير من الجينات الزائفة والآليات التنظيمية الجديدة لاكتشافها<ref name=":7">Yan-Zi Wen, Ling-Ling Zheng, Liang-Hu Qu, Francisco J Ayala & Zhao-Rong Lun (2012) Pseudogenes are not pseudo any more, RNA Biology, 9:1, 27-32,</ref>.
 
=== أنواع الجينات الزائفة ===
1. الجينات الزائفة الوحدانية: هي جينات حصل فيها طفرة أدت إلى تعطليها بتوقف نسخها أو ترجمتها<ref>Zhang ZD, Frankish A, Hunt T, Harrow J, Gerstein M Genome Biol. 2010; 11(3):R26.</ref>، وتسمى وحدانية للدلالة على عدم وجود جين مشابه في الجينوم كما الجينات المضاعفة.
 
2. الجينات المضاعفة: وهي جين "ناتج عن تضاعف جين آخر" لكنه فقد وظيفته عبر المسار التطوري<ref>Mighell AJ, Smith NR, Robinson PA, Markham AF Vertebrate pseudogenes FEBS Lett. 2000 Feb 25; 468(2-3):109-14</ref>
 
3. الجينات المعالجة: وهي جينات لا تملك العناصر غير المرمزة للبروتين من الجين الأصلي (ولأن هذه العناصر ضرورية لانتساخها فهي معطلة) لكنها نتجت عن اندماج رنا الجين الأصلي بالدنا في عملية تدعى التموضع العكسي<ref>mRNA retroposition in human cells: processed pseudogene formation. Maestre J, Tchénio T, Dhellin O, Heidmann T
 
EMBO J. 1995 Dec 15; 14(24):6333-8.
</ref>
 
=== الوظائف المكتشفة للجينات الزائفة ===
[[ملف:Picture2.png|تصغير|آلية عمل الجينات الزائفة]]
هناك عدة آليات يمكن أن تعمل بها الجينات الزائفة ومازالت الدراسات في بداياتها في اكتشاف هذا العالم الجديد<ref name=":7" />.
 
1. بما أن الدنا مؤلف من طاقين (شريطين)، فإن الجين مرمز على إحدى هذين الطاقين. في بعض الأحيان ينتسخ الطاق المعاكس في الجين الزائف إلى رنا معاكس، والذي يلتحم مع الرنا الأصلي ويؤدي إلى إيقاف ترجمته إلى بروتين فعال (الشكل). من الأمثلة على ذلك الجين ''Oct4'' وهو يرمز لبروتين ضالع في تجدد الخلايا الجذعية، حيث تبين أن الجين الزائف المشابه لهذا الجين يعمل كمثبط له<ref>Hawkins PG, Morris KV. Transcriptional regulation of Oct4 by a long non-coding RNA antisense to Oct4-pseudogene 5. Transcription. 2010;1(3):165-175.</ref>.
 
2. وجد مؤخرًا أن الجينات الزائفة يمكن أن تكون مصدرًا لما يدعى بالـ siRNA <ref>Watanabe T, Totoki Y, Toyoda A, et al. Endogenous siRNAs from naturally formed dsRNAs regulate transcripts in mouse oocytes. Nature. 2008;453(7194):539-43.</ref>أو الرنا المتداخل الصغير وباختصار هو رنا صغير مشتق من نسخ الجينات الزائفة يقود معقدًا أنزيميًا ليستهدف الجين الوظيفي (أو الذين يطلقون عليه الجين الأصل باعتقادهم)، فيقطع هذا المعقد الأنزيمي الرنا المرمز.
 
3. تثبيت الرنا المرسال: أحيانًا تعمل الجينات الزائفة العكس، فتزيد من مستويات الجين الوظيفي (أو الجين الأصل) وذلك بالتنافس معه على الجزيئات المثبطة. ومن أشهر الأمثلة PTENP1 <ref name=":8">Liu J, Xing Y, Xu L, Chen W, Cao W, Zhang C. Decreased expression of pseudogene PTENP1 promotes malignant behaviours and is associated with the poor survival of patients with HNSCC. Sci Rep. 2017;7:41179.</ref> حيث أن الجين الأصل PTEN هو بروتين مثبط لتشكل الأورام (السرطان) ولا بد من ضبط مستوياته بدقة في الخلية<ref>Subtle variations in Pten dose determine cancer susceptibility.
 
Alimonti A, Carracedo A, Clohessy JG, Trotman LC, Nardella C, Egia A, Salmena L, Sampieri K, Haveman WJ, Brogi E, Richardson AL, Zhang J, Pandolfi PP
 
Nat Genet. 2010 May; 42(5):454-8.
</ref>. يتنافس PTENP1 على الجزيئات المثبطة مع رنا هذا البروتين، لكن في حال طفرة تؤدي إلى تعطل الجين الزائف فإن ذلك يؤدي إلى زيادة تثبيط البروتين الكابح للورم وتشكل السرطان بالنتيجة<ref name=":8" />.


== المراجع ==
== المراجع ==
<references />
<references />

المراجعة الحالية بتاريخ ٠٦:٤٦، ٢٨ ديسمبر ٢٠١٨

تصور لو وجدت كتابًا وفتحته، فوجدت بعض الصفحات مكتوبة بلغةٍ تعرفها، وباقي الصفحات مكتوبة بنفس الحروف لكنك لم تفهم معناها. النتيجة المنطقية هي أن هذه الصفحات التي لم تفهمها مكتوبةٌ بلغة أخرى لا تعرفها، والشيء الطبيعي أن تبحث عن طريقة لفهم هذه اللغة. لكن صديقك جاهل ويرتكب الكثير من المغالطات المنطقية، فقال، لا، إنها حروف عشوائية اصطفت وصدف أن كان لبعضها معنىً مفيد وأما الباقي فهو نتيجة طبيعية للعشوائية، فلا تضيع وقتك بالبحث عن معناها. لو كنت على علم بالمنطق لعرفت أن صديقك ارتكب مغالطة "الحجة النابعة عن الجهل" أو argumentum ad ignorantiam، فلأنه لا يعرف معنى هذه اللغة فلا معنى لها. وهذا هو تمامًا حال الجينوم الخردة.

مقدمة تاريخية

اكتشف مندل Mendel أسس الوراثة، بإثباته أن سمات نبات البازلاء مُحَدَدة بعوامل منفصلة يتم توارثها عبر الأجيال[١]، وأطلق عالم النبات الدنماركي يوهانسون اسم جينات على هذه العوامل[٢]. ثم اكتُشف في الأربعينيات أن المكون المادي لهذه الجينات هو الحمض النووي منقوص الأكسجين في الكروموسومات، وفي عام 1953 اكتشف واطسون وكريك بنية الحمض النووي منقوص الأكسجين أو الدنا DNA اختصارًا[٣] كاشفين بذلك "سر الحياة"، ثم توالت الاكتشافات في العقدين التاليين لفهم وظيفة الدنا، فتبين أن الدنا ينسخ بدايةً إلى رنا (الحمض النووي الريبازي) ثم يترجم الرنا إلى بروتينات بحيث ترمز كل ثلاثة أسس من الرنا (وبالتالي من الدنا) حمضًا أمينيًا واحدًا في البروتين المصنوع (الشكل). يطلق على عملية انتساخ الرنا من الدنا بالانتساخ transcription، تصور أنك تكتب نصًا على دفترك من كتاب مفتوح أمامك، إنك تنسخ النص في دفترك، وهذا ما تفعله الخلية حيث يقوم إنزيم بصنع جزيئات رنا جديدة وفقًا لتسلسل الدنا، فهو ينسخ تسلسل الرنا من الدنا في الخلية. وتسمى جزيئة الرنا الناتجة بالنسخة transcript أو النساخة. أما عملية صنع البروتينات وفقًا للرنا فهي ترجمة (لأن الخلية تكتب البروتينات بلغة جديدة وفقًا للغة الرنا).

من الدنا إلى البروتين

أخيرًا، تُرجمت لغة الحياة، لغة الكودونات، كل ثلاثة أسس تسمى كودون وهذه الكودونات ترمز الحموض الأمينية العشرين اللازمة لبروتينات الجسم، لكن القصة لا تنتهي هنا، فقد اكتشف أن الجينات في الجينوم (أي الدنا الذي يرمز للبروتينات) مفصولة عن بعضها البعض بدنا لا يمكن ترجمته لبروتينات. وفق المنظور التطوري الحياة عشوائية ولا بد أن هذا الدنا مجرد خردة لا وظيفة له، وهذا ما حصل، ففي عام 1972 نشر البيولوجي سوسومو أونو مقالة دعا فيها الدنا غير القابل للترجمة إلى بروتينات بالدنا الخردة[٤]. وسرعان ما ركب التطوريون هذه الموجة فكتب التطوري الشهير داوكنز كتابه الشهير الجين الأناني وقال: لا يترجم جزء كبير من الدنا إلى بروتين أبدًا. من وجهة نظر كائن مفرد يبدو هذا الأمر متناقضًا. فإذا كان "غرض" الدنا الإشراف على بناء الأجساد، من المفاجئ أن نجد كمية كبيرة من الدنا لا تفعل شيئًا. يجهد البيولوجيين في معرفة ما هي المهمة المفيدة لهذا الدنا الفائض بوضوح. لكن من وجهة نظر الجينات الأنانية أنفسها، ليس هناك تناقض. "الغرض" الحقيقي للدنا هو البقاء على قيد الحياة، لا أكثر ولا أقل[٥]. أصر الدارونيون على تحيزهم الأعمى عبر السنين، وبشكل خاص للرد على دعوات رؤية التصميم الذكي في خلق الإنسان فيقول شيمر :لا بد أن نتساءل كيف أضاف المصمم الذكي دنا خردة إلى جينومينا، نسخ متكررة من الدنا غير المفيد، والجينات اليتيمة، والشظايا الجينية والتكرارات المتتالية والجينات الزائفة، والتي لا يضلع أي منها مباشرة في صنع الإنسان البشري[٦]. في حين يقول كوين أن جينومنا (وجينوم الأنواع الأخرى) ممتلئ بمقابر الجينات الميتة[٧].

كالعادة أعاقت هذه النظرة دراسة وظيفة هذا الدنا، وأخرت البيولوجيا عقودًا من الزمن (كما أخرت اكتشافات بيولوجية أخرى مثل اكتشاف وظيفة الغدة الصنوبرية والسعترية وغيرها بصفتها أعضاء ضامرة لا وظيفة لها، وكما أخرت نظرية مندل الوراثية نصف قرن لأنها تتعارض مع نظرية التطور) فقد صد مصطلح "الدنا الخردة" الباحثين عن دراسة المادة الجينية غير المرمزة للعديد من السنين. فبعد كل شيء، من يريد أن يبحث في الزبالة الجينومية؟[٨] على حد تعبير أحد الباحثين. لكن لا بد من ظهور الحقيقة ولو بعد حين، فقد توالت الاكتشافات عبر السنين مبينة وظائف الدنا الخردة بأنواعه المختلفة واحدًا بعد الآخر.

الدنا الخردة ليس خردة

بعد اكتشاف بنية الدنا، وضع كريك ما يدعى بالمبدأ الأساسي central dogma وهي أن الدنا يعطي رنا والرنا يعطي بروتين[٩]. وفي السبعينيات تم تقدير أن 20% فقط من الدنا يعطي بروتينات و80% لا يُترجم إلى بروتينات [١٠]وأطلق على هذا الدنا خردة[٤] وادعي أن لا وظيفة له بل هو مجرد مقابر للجينات[٧] وفائض عن الحاجة[٥]. ورغم هذا "الافتراض المُسبق" لم يكن كامل تسلسل الجينوم البشري معروفًا ولم يتم كشفه حتى عام 2003 [١١]، ولكن حتى قبل ذلك، تم كشف العديد من الوظائف لما يدعى بالدنا الخردة (مثلًا قدر باحثون أن 4% فقط من الرنا الناتج عن الدنا البشري سيترجم إلى بروتينات والباقي وظيفته ليست إنتاج بروتينات[١٢]) ، ما دعى نفس الهيئة إلى إنشاء مشروع آخر سمي إنكود ENCODE (اختصارٌ لموسوعة عناصر الدنا ENCyclopedia Of DNA Elements) لتحديد العناصر الوظيفية في الجينوم البشري[١٣]. وفي عام 2007، نشر المشروع نتائجه الأولية: "تقدم دراستنا دليلًا مقنعًا بأنه يتم انتساخ الجينوم بشكل منتشر، أي أنه يمكن إيجاد معظم أسسه في النساخات الأولية، بما فيها النساخات غير المرمزة لبروتينات"[١٤]. ثم أتت القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير، ونشر المشاركون في مشروع إنكود نتائجهم عام 2012 في ثلاثين ورقة علمية[١٥]، ووصلوا إلى أن 80% من الجينوم البشري على الأقل له وظيفة[١٦]، وأغلب هذه الوظائف ضالعة في تنظيم عمل الجينات المرمزة للبروتينات، وأصبح كثير من العلماء يطلق مصطلح "المادة المظلمة" بدلًا من الدنا الخردة[١٥]، ودحضت فكرة عدم فائدة هذه المنطقة للأبد، فمثلًا الطفرات في هذه المناطق تؤدي إلى العديد من الأمراض البشرية مثل داء كرون والتهاب المفاصل الروماتيدي والداء الزلاقي والتصلب المتعدد مما يشير إلى الأهمية البالغة لهذه المناطق في الحفاظ على وظائف فيسيولوجية طبيعية. لكن ماذا عن الـ20% الباقية؟ هل هي خردة! الجواب المحتمل هو النفي وفقًا لمدير المشروع إيوان بيرني[١٧] حيث قال أن المشروع درس فقط 147 نوعًا من أنواع الخلايا، والجسم البشري يحوي بضعة آلاف. وأي جزء من الجينوم ربما يتحكم بجينة في نمط خلوي محدد لكن ليس في الأنماط الأخرى. فإذا شملنا كل خلية، فسنجد الوظائف المتبقية في الـ 20% "ومن المحتمل أن تصل نسبة 80% إلى 100%" ثم يكمل "إن مصطلح "خردة" ليس بهذه الفائدة"[١٧]. الخلاصة، أثبتت الكشوفات العلمية بلا ريب خطأ استعمال لقب الخردة على الدنا الخردة، ومازالت الدراسات تتوالى لكشف وظائف هذا الدنا الخردة، لذلك يجب الحذر من ارتكاب المغالطة النابعة عن الجهل "لا أعلم وظيفته فهو بدون وظيفة" سواء الدنا الخردة عمومًا أو بعض العناصر المحددة منه.

الجينات الزائفة Pseudogenes

الجينات الزائفة بالتعريف هي بقايا جينات سابقة لم تعد تمتلك وظيفة بيولوجية[١٨]وقد اعتبرت جزءًا من الجينوم الخردة ونسخًا فاشلة من جينات نشأت خلال تطور الجينوم[١٩]ودائمًا ما استشهد بها التطوريون كحجة قوية، فيقول داوكنز: "هي جينات كانت تقوم بشيء مفيد في السابق ثم أصبحت على الهامش فهي لا تنتسخ أو تترجم أبدًا" ثم استنتج بأن الفائدة الوحيدة للجينات الزائفة هي إحراج الخلقيين[٢٠]. لكن عبر السنوات السابقة داوكنز هو من تعرض للإحراج حيث تبين أن العديد من الجينات الزائفة ذات وظيفة في الخلية ومازالت الاكتشافات تتوالى[٢١][١٨][١٩]. وعلى حد تعبير ورقة علمية: "دراسة الجينات الزائفة الوظيفية هي مجرد البداية... ما يدعى بالجينات الزائفة هي وظيفية فعليًا ولا يجب أن تعتبر دنا "خردة" أو "أحفوري" بعد الآن. لكن بالطبع مازال هنالك الكثير من الجينات الزائفة والآليات التنظيمية الجديدة لاكتشافها[٢٢].

أنواع الجينات الزائفة

1. الجينات الزائفة الوحدانية: هي جينات حصل فيها طفرة أدت إلى تعطليها بتوقف نسخها أو ترجمتها[٢٣]، وتسمى وحدانية للدلالة على عدم وجود جين مشابه في الجينوم كما الجينات المضاعفة.

2. الجينات المضاعفة: وهي جين "ناتج عن تضاعف جين آخر" لكنه فقد وظيفته عبر المسار التطوري[٢٤]

3. الجينات المعالجة: وهي جينات لا تملك العناصر غير المرمزة للبروتين من الجين الأصلي (ولأن هذه العناصر ضرورية لانتساخها فهي معطلة) لكنها نتجت عن اندماج رنا الجين الأصلي بالدنا في عملية تدعى التموضع العكسي[٢٥]

الوظائف المكتشفة للجينات الزائفة

آلية عمل الجينات الزائفة

هناك عدة آليات يمكن أن تعمل بها الجينات الزائفة ومازالت الدراسات في بداياتها في اكتشاف هذا العالم الجديد[٢٢].

1. بما أن الدنا مؤلف من طاقين (شريطين)، فإن الجين مرمز على إحدى هذين الطاقين. في بعض الأحيان ينتسخ الطاق المعاكس في الجين الزائف إلى رنا معاكس، والذي يلتحم مع الرنا الأصلي ويؤدي إلى إيقاف ترجمته إلى بروتين فعال (الشكل). من الأمثلة على ذلك الجين Oct4 وهو يرمز لبروتين ضالع في تجدد الخلايا الجذعية، حيث تبين أن الجين الزائف المشابه لهذا الجين يعمل كمثبط له[٢٦].

2. وجد مؤخرًا أن الجينات الزائفة يمكن أن تكون مصدرًا لما يدعى بالـ siRNA [٢٧]أو الرنا المتداخل الصغير وباختصار هو رنا صغير مشتق من نسخ الجينات الزائفة يقود معقدًا أنزيميًا ليستهدف الجين الوظيفي (أو الذين يطلقون عليه الجين الأصل باعتقادهم)، فيقطع هذا المعقد الأنزيمي الرنا المرمز.

3. تثبيت الرنا المرسال: أحيانًا تعمل الجينات الزائفة العكس، فتزيد من مستويات الجين الوظيفي (أو الجين الأصل) وذلك بالتنافس معه على الجزيئات المثبطة. ومن أشهر الأمثلة PTENP1 [٢٨] حيث أن الجين الأصل PTEN هو بروتين مثبط لتشكل الأورام (السرطان) ولا بد من ضبط مستوياته بدقة في الخلية[٢٩]. يتنافس PTENP1 على الجزيئات المثبطة مع رنا هذا البروتين، لكن في حال طفرة تؤدي إلى تعطل الجين الزائف فإن ذلك يؤدي إلى زيادة تثبيط البروتين الكابح للورم وتشكل السرطان بالنتيجة[٢٨].

المراجع

  1. Bateson W, Mendel G. Mendel's Principles of Heredity, A Defence. 1902.
  2. Johannsen, W. (1905). Arvelighedslærens elementer ("The Elements of Heredity". Copenhagen)
  3. James D. Watson & Francis H. C. Crick, “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid,” Nature 171 (1953): 737–738.
  4. ٤٫٠ ٤٫١ Susumu Ohno, “So much ‘junk’ DNA in our genome,” Brookhaven Symposia in Biology 23 (1972): 366–70.
  5. ٥٫٠ ٥٫١ Dawkins, The Selfish Gene. p. 47
  6. Michael Shermer, Why Darwin Matters: The Case Against Intelligent Design (New York: Holt, 2006), pp. 74–75.
  7. ٧٫٠ ٧٫١ Jerry A. Coyne, Why Evolution Is True (New York: Viking, 2009), pp. 66–67, 81
  8. https://www.scientificamerican.com/article/what-is-junk-dna-and-what/
  9. Francis H. C. Crick, “On Protein Synthesis,” The Biological Replication of Macromolecules, Symposia of the Society for Experimental Biology, Number XII (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), pp. 138–163.
  10. David E. Comings, “The Structure and Function of Chromatin,” Advances in Human Genetics 3 (1972): 237–431
  11. “International Consortium Completes Human Genome Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD 
  12. Fred A. Wright, William J. Lemon, Wei D. Zhao, Russell Sears, Degen Zhuo, Jian- Ping Wang, Hee-Yung Yang, Troy Baer, Don Stredney, Joe Spitzner, Al Stutz, Ralf Krahe & Bo Yuan, “A draft annotation and overview of the human genome,” Genome Biology 2:7 (2001).
  13. “The ENCODE Project,” National Human Genome Research Institute, Bethesda, MD 
  14. Birney E, Stamatoyannopoulos JA, Dutta A, et al. Identification and analysis of functional elements in 1% of the human genome by the ENCODE pilot project. Nature. 2007;447(7146):799-816.
  15. ١٥٫٠ ١٥٫١ https://www.nytimes.com/2012/09/06/science/far-from-junk-dna-dark-matter-proves-crucial-to-health.html?_r=1&
  16. An integrated encyclopedia of DNA elements in the human genome. Nature. 2012;489(7414):57-74.
  17. ١٧٫٠ ١٧٫١ http://blogs.discovermagazine.com/notrocketscience/2012/09/05/encode-the-rough-guide-to-the-human-genome/#.XCWEE1z7Q2w
  18. ١٨٫٠ ١٨٫١ Xu J, Zhang J. Are Human Translated Pseudogenes Functional?. Mol Biol Evol. 2016;33(3):755-60.
  19. ١٩٫٠ ١٩٫١ Pink RC, Wicks K, Caley DP, Punch EK, Jacobs L, Carter DR. Pseudogenes: pseudo-functional or key regulators in health and disease?. RNA. 2011;17(5):792-8.
  20. Richard Dawkins, The Greatest Show on Earth: The Evidence for Evolution (New York: Free Press, 2009), pp. 332–333  
  21. Pink RC, Carter DR. Pseudogenes as regulators of biological function. Essays Biochem. 2013;54:103-12.
  22. ٢٢٫٠ ٢٢٫١ Yan-Zi Wen, Ling-Ling Zheng, Liang-Hu Qu, Francisco J Ayala & Zhao-Rong Lun (2012) Pseudogenes are not pseudo any more, RNA Biology, 9:1, 27-32,
  23. Zhang ZD, Frankish A, Hunt T, Harrow J, Gerstein M Genome Biol. 2010; 11(3):R26.
  24. Mighell AJ, Smith NR, Robinson PA, Markham AF Vertebrate pseudogenes FEBS Lett. 2000 Feb 25; 468(2-3):109-14
  25. mRNA retroposition in human cells: processed pseudogene formation. Maestre J, Tchénio T, Dhellin O, Heidmann T EMBO J. 1995 Dec 15; 14(24):6333-8.
  26. Hawkins PG, Morris KV. Transcriptional regulation of Oct4 by a long non-coding RNA antisense to Oct4-pseudogene 5. Transcription. 2010;1(3):165-175.
  27. Watanabe T, Totoki Y, Toyoda A, et al. Endogenous siRNAs from naturally formed dsRNAs regulate transcripts in mouse oocytes. Nature. 2008;453(7194):539-43.
  28. ٢٨٫٠ ٢٨٫١ Liu J, Xing Y, Xu L, Chen W, Cao W, Zhang C. Decreased expression of pseudogene PTENP1 promotes malignant behaviours and is associated with the poor survival of patients with HNSCC. Sci Rep. 2017;7:41179.
  29. Subtle variations in Pten dose determine cancer susceptibility. Alimonti A, Carracedo A, Clohessy JG, Trotman LC, Nardella C, Egia A, Salmena L, Sampieri K, Haveman WJ, Brogi E, Richardson AL, Zhang J, Pandolfi PP Nat Genet. 2010 May; 42(5):454-8.