الجينوم الخردة

من Wiki Tanweer
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

تصور لو وجدت كتابًا وفتحته، فوجدت بعض الصفحات مكتوبة بلغةٍ تعرفها، وباقي الصفحات مكتوبة بنفس الحروف لكنك لم تفهم معناها. النتيجة المنطقية هي أن هذه الصفحات التي لم تفهمها مكتوبةٌ بلغة أخرى لا تعرفها، والشيء الطبيعي أن تبحث عن طريقة لفهم هذه اللغة. لكن صديقك جاهل ويرتكب الكثير من المغالطات المنطقية، فقال، لا، إنها حروف عشوائية اصطفت وصدف أن كان لبعضها معنىً مفيد وأما الباقي فهو نتيجة طبيعية للعشوائية، فلا تضيع وقتك بالبحث عن معناها. لو كنت على علم بالمنطق لعرفت أن صديقك ارتكب مغالطة "الحجة النابعة عن الجهل" أو argumentum ad ignorantiam، فلأنه لا يعرف معنى هذه اللغة فلا معنى لها. وهذا هو تمامًا حال الجينوم الخردة.

مقدمة تاريخية

اكتشف مندل Mendel أسس الوراثة، بإثباته أن سمات نبات البازلاء مُحَدَدة بعوامل منفصلة يتم توارثها عبر الأجيال[١]، وأطلق عالم النبات الدنماركي يوهانسون اسم جينات على هذه العوامل[٢]. ثم اكتُشف في الأربعينيات أن المكون المادي لهذه الجينات هو الحمض النووي منقوص الأكسجين في الكروموسومات، وفي عام 1953 اكتشف واطسون وكريك بنية الحمض النووي منقوص الأكسجين أو الدنا DNA اختصارًا[٣] كاشفين بذلك "سر الحياة"، ثم توالت الاكتشافات في العقدين التاليين لفهم وظيفة الدنا، فتبين أن الدنا ينسخ بدايةً إلى رنا (الحمض النووي الريبازي) ثم يترجم الرنا إلى بروتينات بحيث ترمز كل ثلاثة أسس من الرنا (وبالتالي من الدنا) حمضًا أمينيًا واحدًا في البروتين المصنوع (الشكل).

من الدنا إلى البروتين

أخيرًا، اكتشفت لغة الحياة، لغة الكودونات، كل ثلاثة أسس تسمى كودون وهذه الكودونات ترمز الحموض الأمينية العشرين اللازمة لبروتينات الجسم، لكن القصة لا تنتهي هنا، فقد اكتشف أن الجينات في الجينوم (أي الدنا الذي يرمز للبروتينات) مفصولة عن بعضها البعض بدنا لا يمكن ترجمته لبروتينات. وفق المنظور التطوري الحياة عشوائية ولا بد أن هذا الدنا مجرد خردة لا وظيفة له، وهذا ما حصل، ففي عام 1972 نشر البيولوجي سوسومو أونو مقالة دعا فيها الدنا غير القابل للترجمة إلى بروتينات بالدنا الخردة[٤]. وسرعان ما ركب التطوريون هذه الموجة فكتب التطوري الشهير داوكنز كتابه الشهير الجين الأناني وقال: لا يترجم جزء كبير من الدنا إلى بروتين أبدًا. من وجهة نظر كائن مفرد يبدو هذا الأمر متناقضًا. فإذا كان "غرض" الدنا الإشراف على بناء الأجساد، من المفاجئ أن نجد كمية كبيرة من الدنا لا تفعل شيئًا. يجهد البيولوجيين في معرفة ما هي المهمة المفيدة لهذا الدنا الفائض بوضوح. لكن من وجهة نظر الجينات الأنانية أنفسها، ليس هناك تناقض. "الغرض" الحقيقي للدنا هو البقاء على قيد الحياة، لا أكثر ولا أقل[٥]. أصر الدارونيون على تحيزهم الأعمى عبر السنين، وبشكل خاص للرد على دعوات رؤية التصميم الذكي في خلق الإنسان فيقول شيمر :لا بد أن نتساءل كيف أضاف المصمم الذكي دنا خردة إلى جينومينا، نسخ متكررة من الدنا غير المفيد، والجينات اليتيمة، والشظايا الجينية والتكرارات المتتالية والجينات الزائفة، والتي لا يضلع أي منها مباشرة في صنع الإنسان البشري[٦]. في حين يقول كوين أن جينومنا (وجينوم الأنواع الأخرى) ممتلئ بمقابر الجينات الميتة[٧].

كالعادة أعاقت هذه النظرة دراسة وظيفة هذا الدنا، وأخرت البيولوجيا عقودًا من الزمن (كما أخرت اكتشافات بيولوجية أخرى مثل اكتشاف وظيفة الغدة الصنوبرية والسعترية وغيرها بصفتها أعضاء ضامرة لا وظيفة لها، وكما أخرت نظرية مندل الوراثية نصف قرن لأنها تتعارض مع نظرية التطور) فقد صد مصطلح "الدنا الخردة" الباحثين عن دراسة المادة الجينية غير المرمزة للعديد من السنين. فبعد كل شيء، من يريد أن يبحث في الزبالة الجينومية؟[٨] على حد تعبير أحد الباحثين. لكن لا بد من ظهور الحقيقة ولو بعد حين، فقد توالت الاكتشافات عبر السنين مبينة وظائف الدنا الخردة بأنواعه المختلفة واحدًا بعد الآخر.

الدنا الخردة

بعد اكتشاف بنية الدنا وضع كريك ما يدعى بالمبدأ الأساسي central dogma وهي أن الدنا يعطي رنا والرنا يعطي بروتين[٩] وفي السبعينيات تم تقدير أن 20% فقط من الدنا يعطي بروتينات و80% لا يُترجم إلى بروتينات [١٠]وأطلق على هذا الدنا خردة[٤] وادعي أنه لا وظيفة له بل هو مجرد مقابر للجينات[٧] وفائض عن الحاجة[٥]. في

،

  1. Bateson W, Mendel G. Mendel's Principles of Heredity, A Defence. 1902.
  2. Johannsen, W. (1905). Arvelighedslærens elementer ("The Elements of Heredity". Copenhagen)
  3. James D. Watson & Francis H. C. Crick, “Molecular Structure of Nucleic Acids: A Structure for Deoxyribose Nucleic Acid,” Nature 171 (1953): 737–738.
  4. ٤٫٠ ٤٫١ Susumu Ohno, “So much ‘junk’ DNA in our genome,” Brookhaven Symposia in Biology 23 (1972): 366–70.
  5. ٥٫٠ ٥٫١ Dawkins, The Selfish Gene. p. 47
  6. Michael Shermer, Why Darwin Matters: The Case Against Intelligent Design (New York: Holt, 2006), pp. 74–75.
  7. ٧٫٠ ٧٫١ Jerry A. Coyne, Why Evolution Is True (New York: Viking, 2009), pp. 66–67, 81
  8. https://www.scientificamerican.com/article/what-is-junk-dna-and-what/
  9. Francis H. C. Crick, “On Protein Synthesis,” The Biological Replication of Macromolecules, Symposia of the Society for Experimental Biology, Number XII (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), pp. 138–163.
  10. David E. Comings, “The Structure and Function of Chromatin,” Advances in Human Genetics 3 (1972): 237–431