أصل الإنسان والسجل الأحفوري

من Wiki Tanweer
مراجعة ١٢:٠١، ١٨ فبراير ٢٠١٧ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

يخبرنا علماء التطور بشكل معتاد بأن الدليل الأحفوري على نظرية داروين في تطور البشر من مخلوق شبيه بالقرد لا يقبل الجدل، فعلى سبيل المثال يشهد عالم الأنثروبولوجي (العالم في أصول الإنسان) "رونالد ويثرنجتون" أمام مجلس التربية والتعليم في ولاية تكساس عام 2009: "من الممكن القول بأن التطور البشري مثبت بسلسلة من الأحافير الأكثر اكتمالاً من بين كل الثدييات في العالم، لا وجود للفجوات ولا يوجد نقص في الأحافير الانتقالية ... ولذلك عندما يتحدث الناس عن نقص في الأحافير الانتقالية أو فجوة في سجل الأحافير فهذا غير صحيح نهائيا وخصوصا لسلالتنا البشرية" [١]، ولذلك فإن البحث في أصل الانسان - بالنسبة لويثرينغتون - "يقدم مثالاً جيداً على ما يفترضه داروين بشأن التغير التطوري التدريجي".[١]

إن التوغل في تفاصيل المنشورات العلمية حول الموضوع يكشف لنا قصة مختلفة تماما عما يصفه ويثرينغتون وغيره من التطوريين في المناقشات العامة، سيوضح هذا الفصل أن الدلائل الأحفورية على تطور الإنسان مجزأة ويصعب فك رموزها وهي محط نزاعات ساخنة. في الواقع وبعيدا عن ترديد عبارة "المثال النموذجي على التغيرات التطورية التدريجية" فإن السجل الأحفوري يكشف انقطاعا جوهرياً بين حفريات أشباه القردة وحفريات أشباه البشر، تظهر حفريات أشباه البشر في السجل الأحفوري فجأة ودون أسلاف تطورية واضحة، مما يجعل فرضية تطور الإنسان اعتمادا على الأحافير أمرا مشكوكا فيه.

التحديات أمام علماء الأحافير البشرية

يصنف علماء التطور البشر والشمبانزي وجميع الكائنات الحية التي تنحدر من سلفهما المشترك تحت مجموعة البشريين hominins، ويدرس علم الأحافير البشرية paleoanthropology بقايا حفريات البشريين القديمة، إلا أن علماء الأحافير البشرية يواجهون العديد من التحديات في سعيهم لإعادة بناء قصة تطور البشريين.

التحدي الأول:

يوجد القليل من أحافير البشريين المتباعدة، ومن غير المعقول ألا نجد سوى عدد قليل من الأحافير التي تم رصدها والتي تعود لتلك الفترة الطويلة التي من المفترض حدوث تطور البشر فيها.

كتب عالم الأحافير البشرية "دونالد جوهانسون" - مكتشف لوسي- وزميله بلاك إدجر عام 1996 أن "نصف المدة الزمنية التي سبقت ظهور البشر (تقدر بثلاث ملايين سنة) تظل غير موثقة بأي أحفورة بشرية في حين تم العثور على عدد قليل من الأحافير غير المصنفة التي تعود لفترة الملايين الأربعة الأخيرة (فترة تطور عائلة الأناسي منذ مطلعها)، لذلك فإن بيانات السجل الأحفوري مجزأة ومتشظية" [٢] ويقول عالِم الحيوان من جامعة هارفارد "ريتشارد ليونتن" أنه: "لا يمكن اعتبار أي أحفورة مكتشفة من أحافير عائلة الأناسي سلفاً مباشراً للبشر"[٣]

التحدي الثاني:

هذا التحدي يتمثل في عينات الأحافير نفسها، فأحافير البشريين بالكاد تكون شظايا عظمية متفرقة مما يجعل من الصعب استخلاص استنتاجات حاسمة بشأن شكل وسلوك وعلاقات العديد من أصحاب هذه العينات، وكما قال عالم الأحافير ستيفن جاي غولد "فإن معظم أحافير البشريين ليست سوى أجزاء من أفكاك وبقايا جماجم، رغم أنها تستخدم كأساس لحكايات وتكهنات كثيرة لا تكاد تنتهي". [٤]

التحدي الثالث:

هو إعادة بناء سلوك وذكاء الكائنات المنقرضة وشكلها الداخلي، ففي مثال من علم المقدمات (العلم المختص بدراسة رتبة الرئيسيات) لاحظ عالم المقدمات "فرانس دي وال" أن الهيكل العظمي للشمبانزي المعروف يطابق تقريبا هيكل البونوبو (قرد قريب من الشمبانزي) إلا أن الاختلاف السلوكي بينهما كبير، ويقول دي وال: "في ظل وجود عدد قليل فقط من العظام والجماجم لم يجرؤ أحد على تقديم أي اقتراح يعبر فيه عن الاختلاف الكبير في السلوك بين الشمبانزي والبونوبو". [٥]

ويحتج دي وال بأن هذا يعطي إنذارا قويا لعلماء الأحافير الذين يبنون تفاصيل سلوكية وحياتية لكائنات منقرضة منذ زمن بعيد بناءاً على أجزاء من أحافير وجدت لها. يختص مثال دي وال بالحالة التي يمتلك فيها الباحثون هياكل عظمية كاملة الأجزاء، ويوضح عالم التشريح بجامعة شيكاغو "سي.إي. أوكسنارد" كيف تزداد صعوبة بناء هذه الافتراضات بغياب المزيد من العظام فيقول:

"لقد تمت إعادة بناء سلسلة مترابطة من عظام قدم من منطقة أولدوفاي (مكان يضم أحافير من فصيلة القردة الجنوبية) لتصبح وثيقة الشبه بالقدم البشرية، ويمكننا بنفس الأسلوب إعادة بنائها بشكل قدم شمبانزي غير مكتملة".[٦]

إن إعادة بناء المظهر الخارجي للبشريين المنقرضين عرضة للتحيز الشديد عادة، فمن الممكن إخفاء القدرات الذهنية الذكية للبشر وتضخيم الحالة البهيمية، يصور أحد المناهج المدرسية عالية الشهرة "إنسان نياندرتال" ككائن بدائي الذكاء حتى لو كان من آثاره الرسومات المختلفة واللغة والثقافة [٧]، ويصور الإنسان المنتصب بدور الأخرق المنحني رغم أن عظام تحت القحف عنده شبيهة جدا بما عند الإنسان المعاصر [٨]، وبالمقابل، يصور الكتاب نفسه القردة الإفريقية - الأشبه بالقردة- بمنحها لمحات من الذكاء البشري والمشاعر في العيون، وهذه استراتيجية متبعة في الكتب المصورة التي تتكلم حول أصل الإنسان. [٩] [١٠]

يحذر عالم الأحافير "جوناثان ماركس" (من جامعة كارولينا الشمالية - تشارلوت) من هذه التصرفات التي توهم "بأنسنة" القردة أو "قردنة" البشر، فيقول: لا تزال كلمات عالم الأنثروبولوجيا الجسمية الشهير إرنست هوتون - من جامعة هارفارد- صحيحة:

"إن إعادة البناء المزعوم للأنماط البشرية القديمة له قيمة علمية ضئيلة، بل ربما ليس له أي قيمة نهائيا سوى تضليل العامة". [١١]

بالنظر لهذه المعطيات، فإننا نتوقع من علماء التطور أن يقوموا بعرض فرضياتهم حول أصول الإنسان بشكل متواضع ومكبوت وهذا ما نجده في بعض الأحيان [١٢]، لكننا نجد في الحقيقة عكس ذلك غالباً. من النادر أن تجد الهدوء والموضوعية العلمية في حقل علم الأنثروبولوجيا التطورية بقدر ندرة أحافير أشباه البشريين نفسها، إن الطبيعة المجزأة للبيانات مع وجود الرغبة لدى علماء الأحافير البشرية لإطلاق عبارات واثقة حول التطور البشري يؤدي إلى خلافات حادة في هذا المضمار، وهو ما أشارت إليه كونستانس هولدن في مقالتها لمجلة Science بعنوان "سياسات علم الأحافير البشرية".

تقر هولدن بأن "الدليل العلمي الأولي الذي يعتمد عليه علماء الأحافير البشرية لبناء تاريخ تطور الإنسان هو عبارة عن حزمة صغيرة جدا من العظام. يشبه أحد علماء الأنثروبولوجيا ذلك بإعادة بناء رواية - السلم والحرب - بوجود 13 صفحة عشوائية منها فقط" [١٣]

وفقا لهولدن فإن ذلك يعود تماما لاضطرار الباحثين لبناء نتائجهم على: "أدلة تافهة جداً بما يجعل من المستحيل إبعاد التحيز الشخصي عن النتيجة العلمية، فيبقى المجال عرضة للخلافات الحادة". [١٣]

لا يخطئ البعض إن قال أن النزاع في حقل علم الأحافير البشرية شخصي للغاية، ويعترف "دونالد جوهانسون" و"بليك إدغر" بأن الطموح والبحث الطويل عن الشهرة والتمويل والمكانة يجعل من الصعب على عالم الأحافير البشرية أن يعترف بخطئه عندما يرتكبه، حيث يقولان:

"إن ظهور الأدلة المتناقضة يلتقي أحيانا مع تكرار ثابت لنفس وجهات النظر حول أصولنا. نحتاج للكثير من الوقت للتخلص من النظريات البالية واستيعاب المعلومات الجديدة، وفي غضون ذلك توضع المصداقية العلمية والتمويل للمزيد من الأعمال العلمية حول الموضوع على المحك".[٢]

بل إن رغبة الباحث بالشهرة قد تغريه بازدراء الباحثين الآخرين، يعلن المنتج "مارك ديفيس" لقنوات PBS NOVA بعد مقابلته لعدد من علماء الأحافير البشرية لإجراء فيلم وثائقي في عام 2002 أن كل خبراء النياندرتال يعتقدون أن آخر شخص كلمته منهم أحمقاً، إن لم يكن من "النياندرتال أنفسهم"[١٤]

لا عجب أن علم الأحافير البشرية حقل مفعم بالتعارضات مع وجود عدة نظريات عالمية مقبولة عند الباحثين فيه، حتى أن هذه النظريات الأكثر قبولا لأصول الإنسان قد تكون مبنية على أدلة ناقصة محدودة وغير كافية. يقول محرر مجلة Science "هنري جي" في عام 2001: "إن الدليل الأحفوري على تاريخ تطور الإنسان مجزأ ومفتوح أمام العديد من التكهنات". [١٥]

القصة المعيارية لأصول الإنسان التطورية

رغم المعارضة الواسعة والتناقضات التي ذكرناها آنفًا، إلا أن هناك قصة معيارية معتمدة حول نشأة الإنسان مذكورة في عدد كبير من المراجع ومقالات الأخبار والكتب الثقافية، في الشكل 1.1 تمثيل لشجرة التطور السلالي للبشريين الأكثر قبولا.[١٦] [١٧] [١٨]

تبدأ الشجرة بالبشريين الأوائل في أسفل اليسار وتتحرك صعودا مرورا بالقردة الجنوبية Australopithecus ثم وصولا إلى جنس البشر HOMO. يراجع هذا القسم الدليل الأحفوري ويقيم دعمه لهذه القصة المفترضة حول تطور البشر، وتبيان أن الدليل يقف معارضا لهذه القصة حيث وجد.

أحافير البشريين الأوائل

رغم الضجة الإعلامية الكبيرة في وسائل الإعلام حول أحافير أشباه البشر إلا أنها مجزأة للغاية ومحط تجاذبات كبيرة في المجتمع العلمي، سنفحص في الفقرات التالية عدداً من هذه الأحافير والافتراضات المبنية عليها.

الشكل 1.3 شجرة التطور السلالي المعيارية للبشريين ومن ضمنهم الإنس
الشكل 1.1 شجرة التطور السلالي المعيارية للبشريين ومن ضمنهم الإنس

القرد الساحلي التشادي شبيه البشر – جمجمة توماي - Sahelanthropus tchadensis

تم اكتشاف هذه الحفرية في عام 2002 بواسطة العالم الفرنسي ميشيل برونيه. ورغم أن هذا النوع لا يعرف إلا من خلال جمجمة وحيدة وعدة أجزاء من الفك فإنه يعتبر الأول من بين البشريين وهو يتوضع مباشرة على خط سلالة البشر. غير أنه لا يتفق جميع العلماء على هذه الرواية، إذ عندما أعلن عن الأحفورة للمرة الأولى قالت "بريدجيت سينات" - الباحثة المشهورة في متحف التاريخ الطبيعي بباريس: "اعتدت على التفكير أن هذه الجمجمة تعود لغوريلا أنثى". [١٩]

وكتبت سينات مع زملائها Milford H. Wolpoff و Martin Pickford و John Hawks في مجلة الطبيعة Nature أنهم لاحظوا "وجود العديد من السمات التي تربط العينة بالشمبانزي أو الغوريلا أو كليهما ولكن ليس بعائلة الأناسي"، واحتجوا أيضا بأن هذا النوع لم يكن مجبرا على المشي منتصبا على قدمين، لقد كان هذا النوع بالنسبة لهم قرداً لا أكثر. [٢٠]

استمر هذا الجدل، حتى أعلن عدد من علماء الأحافير البشرية البارزين في محاضر الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم أن أجزاء الجمجمة والأسنان وحدها غير كافية لتصنيف العينة أو القول بأنها تعود للبشريين:

"تظهر نتائجنا عدم إمكانية الاعتماد على صفات الأسنان والقحف -التي تستخدم إلى اليوم-في رسم الأشجار السلالية للبشريين وعلاقتها بأنواع وأجناس الرئيسيات العليا بما في ذلك البشريين". [٢١]

وفي واحدة من جلسات الاستماع حول نظرية التطور في ولاية تكساس شهد "رونالد ويثرنغتون" قائلاً: "كل أحفورة نجدها تدعم التسلسل الذي نفترضه قبل وجودها ولا تخرج عن ذلك الإطار" [٢٢]، لكن هذه الأحفورة التي كشف عنها في عام 2002 تعتبر مثالا صارخا معاكساً لهذه الشهادة.

يعلق برنارد وود من جامعة جورج واشنطن على جمجمة توماي في مجلة Nature في افتتاحية المقال: "إنها الأحفورة المفردة التي قد تغير من طريقة بنائنا لشجرة الحياة جذريا". [٢٣]

ثم تابع قائلا: "إن قبولنا بهذه القطع فقط كدليل كاف لتصنيف القرد الساحلي التشادي كأحد أوائل الأناسي في أصل سلالة البشر المعاصرين سيدمر النموذج المرتب لأصل الإنسان ونشأته. إن ظهور أحد الأناسي بهذا القدم يجب أن يظهر علامات بدائية فقط من علامات الأناسي، لن يملك هذا الكائن وجها مماثلا للأناسي إلا إن كان أحدث من عمره المسجل بمقدار الثلثين، وإن قبلنا أن هذا النوع يقع في أصل شجرة عائلة الأناسي فيجب أن نتخلى عن كل الكائنات التي تبدو جمجمتها أكثر بدائية منه - وفق قانون الاقتصاد في عدد الأشكال الانتقالية - والتي تقبع الآن على طول سلالة البشر في الشجرة التطورية - وهو عدد كبير من الأنواع. [٢٣]

أي إن قبلنا بأن جمجمة توماي تمثل نوعا سلفا للبشر في جذع سلالتهم التطورية فلن يمكن القبول بكون العديد غيره من الأنواع المتأخرة - كالقردة الجنوبية - أسلافا للبشر وتنتمي لنفس السلالة التطورية، يستنتج وود أن أحافير القرد الساحلي التشادي تظهر دليلا حاسما على أن اقتفاء آثار سلالتنا التطورية أمر معقد وصعب كاقتفاء أصول أي نوع آخر.

أحافير أورورين Orrorin tugenensis

الشكل 1.2 أجزاء أورورين
الشكل 1.2 أجزاء أورورين

تعني كلمة أورورين في اللغة المحلية الكينية "الإنسان الأصل" وهو أحد الرئيسيات بحجم الشمبانزي، تعرفنا عليه بتشكيلة من أجزاء عظام تشمل فقط عظام اليد والفخذ والفك السفلي وبعض الأسنان [١٧] (الشكل 1.2). وبمجرد اكتشافه نشرت صحيفة نيويورك تايمز موضوعا بعنوان "الأحافير التي قد تكون الرابط البشري الأقدم" [٢٤] وأعلنت أنها "قد تكون للسلف الأقدم لعائلة الإنسان" [٢٥]، وبالرغم من تواضع الاكتشاف إلا أن الحماسة الزائدة دفعت لكتابة مقال في مجلة Nature بعد الاكتشاف مباشرة وجاء فيه: "يجب الحد من الحماسة الدافعة لأحدنا عند الادعاء أن أحفورة عمرها 6 ملايين سنة هي سلف مباشر للإنسان المعاصر". [٢٦]

يدعي بعض علماء الأحافير البشرية أن عظم فخذ أورورين يشير إلى أنه " كائن يمشي على الأرض منتصبا على قدمين وهو ما يتفق مع صفات المجموعة الموجودة في مطلع السلالة البشرية" [٢٧] ونشرت جامعة Yale لاحقا بحثها قائلة: "على كل حال يوجد الآن دليل ثمين صغير على كيفية مشي الأورورين" [٢٨]

يفترض علماء الأحافير البشرية التطوريون أن المشي على قدمين هو الاختبار الحاسم لانتماء نوع ما إلى خط تطور البشر، لكن إن كان الأورورين شبيها بالقرد يمشي منتصبا على قدمين منذ أكثر من 6 ملايين سنة فهل يرشحه ذلك ليكون من أسلاف البشر؟ ليس الأمر كذلك مطلقاً بل إن في السجل الأحفوري العديد من القردة المنتصبة على قدمين والتي يصنفها علماء التطور في أماكن بعيدة عن خط التطور البشري.

ففي عام 1999 لاحظ عالم الأحياء كريستوفر ويلز - من جامعة سان دييغو- أن :

"الوضعية المنتصبة ليست مختصة بخطنا التطوري، فهناك قرد عاش منذ 10 ملايين سنة في جزيرة سردينيا ويعرف بـ Oreopithecus bambolii بنفس الصفة، وقد يكون اكتسبها بشكل منفصل". [٢٩]

ويثبت مقال أحدث في موقع ScienceDaily أن أحفورة هذا القرد:

"تظهر العديد من التشابهات مع أسلاف الإنسان الأوائل بما في ذلك ميزات الهيكل العظمي الذي يبدو أنه كان متكيفا مع المشي على قدمين، ويلاحظ المؤلفون أننا نعلم ما يكفي عن تشريح هذا الكائن لنعرف أنه أحد الأقارب البعيدة للبشر إلا أنه حصل على تلك السمات الشبيهة بسمات البشر بشكل مستقل". [٣٠]

وتشرح ورقة علمية نشرها "برنارد وود" و "تيري هاريسون" عام 2011 في مجلة Nature مقتضيات وجود قردة منتصبة على قدمين دون أن يكون لها علاقة بأصل البشر قائلا:

"إن النتيجة النموذجية التي نتلقاها من الـ Oreopithecus هو رفض ادعاء العلاقة التطورية بين البشريين المزعومين الأوائل، ونستنتج منها كيف أن السمات التي تعتبر خاصة بالبشريين قد يكتسبها بعض القردة بشكل مستقل ضمن خط تطوري منفصل عن خط البشريين بالتزامن مع سلوكيات مرتبطة بالمشي الأرضي على قدمين دون أن تكون محصورة بالضرورة به". [٣١]

وكما هددت جمجمة توماي بالإطاحة بالقردة الجنوبية Australopithecus من خطنا التطوري فإن القبول بفرضية كون الأورورين أحد أسلافنا يعني الإطاحة أيضا بالقردة الجنوبية وأنها ليست سوى فرع جانبي منقرض من تطور الأناسي hominid كما يرى بيكفورد وزملاؤه [٣٢]

لم تلق هذه الفرضية قبولا في أوساط علماء الأحافير البشرية بسبب الحاجة للقردة الجنوبية كأسلاف تطورية لجنسنا Homo، وتضرب دراسة أخرى في مجلة Nature مثالاً حول كيفية معالجة الآراء المتناقضة ضمن علم الأحافير البشرية من خلال اتهام شجرة بيكفورد التطورية بأنها "تتعارض بشدة مع الأفكار العامة حول تطور البشر وتخفي العديد من التناقضات والشكوك". [٣٣]

وفي الوقت الذي يقترح فيه الأورورين على علماء الأحافير البشرية إمكانية ظهور المخلوق المنتصب على قدمين والذي عاش في وقت انفصال البشر عن الشمبانزي في سلفهما المشترك إلا أننا نعلم القليل عن ذلك لنطلق ادعاءات مؤكدة حول قدرته على المشي الأرضي أو مكانه الحقيقي ضمن شجرة التطور حتى.

الشكل 1.3 منظر أمامي لجمجمة Ardipithecus ramidus المجزأة والمعاد بناؤها.

3.     القرد أردي Ardipithecus ramidus

أعلنت مجلة Science عام 2009 عن أحفورة لطالما انتظرها العلماء تعود لـ 4.4 مليون سنة وأطلق عليها اسم القرد أردي، رفع مكتشف الأحفورة -وعالم الأحافير البشرية تيم وايت من جامعة بيركلي-سقف توقعاته منها بكونها تعود "لفرد استثنائي بحيث تصلح لأن تكون حجر رشيد لفك سر المشي على قدمين" [٣٤] وبمجرد نشر الورقة قام المجتمع العلمي بالدعاية لها وتبشير العامة بأحقية نظرة داروين من خلالها.

وأعلنت قناة ديسكفري الاكتشاف بعنوان "أردي، اكتشاف السلف الأقدم للبشر"، ثم اقتبست كلاما لتيم وايت يقول فيه: "كم أصبحنا قريبين من إيجاد سلفنا المشترك الأخير مع الشمبانزي" [٣٥] في حين نشرت الأسوشيتد برس الخبر بعنوان "الكشف عن هيكل أقدم سلف انتقالي للبشر" وذكرت تحت العنوان أن "الكشف الجديد يوفر الدليل على تطور البشر والشمبانزي من سلف مشترك واحد قديم" [٣٦] وسمت مجلة Science أردي بالاكتشاف العلمي الأكبر لعام 2009 وعنونت لذلك بـ "الكشف عن القرد أردي: نوع جديد من الأسلاف" (يمكن رؤية إعادة بناء لجمجمة أردي في الشكل 1.3) [٣٧] [٣٨]

غير أن تسمية هذه الأحفورة بالجديدة في الواقع هو اختيار لغوي خاطئ من قبل مجلة Science نظرا لكون أردي مكتشفا منذ مطلع التسعينيات، فلماذا تأخر الكشف عن أردي لأكثر من 15 سنة؟

شرحت مقالة في مجلة Science عام 2002 ذلك بأن عظام الأحفورة مهشمة وطرية ومسحوقة وطبشورية، ويقول وايت -مكتشفها- :

"عندما قمت بتنظيف أحد حوافها تآكلت الحافة ولذا كان على صياغة كل قطعة من القطع المكسورة في قالب لإعادة بناء الأحفورة". [٣٩]

الأمر ذاته تذكره تقارير أخرى عن أن "بعض أجزاء هيكل أردي وجدت مسحوقة إلى فتات وكان لا بد من القيام بالكثير من أعمال إعادة التركيب الافتراضية الرقمية"، لقد كان الحوض أشبه بالحساء. [٤٠]

ويخبرنا تقرير مجلة Science لعام 2009 قصة مذهلة عن الجودة الضعيفة للأحفورة: "لقد تلاشت حماسة الفريق الذي اكتشف الأحفورة نظرا لحالتها المريعة، كانت العظام تتفتت بمجرد لمسها، حتى وكأنها ماتت مدهوسة على الطريق، لقد كانت أجزاء من الهيكل العظمي مسحوقة ومبعثرة لأكثر من 100 قطعة، والجمجمة مسحوقة ليبلغ ارتفاعها 4 سم فقط. [٤١]

وفي مقالة بعنوان "اكتشاف الهيكل العظمي الأقدم لسلف البشر" يقول المحرر العلمي في مجلة National Geographic:

"دفنت جثة أردي بعد موتها في الطين تحت وطأة أقدام أفراس النهر وغيرها من الحيوانات العواشب، وبعد ملايين السنين أخرجت عوامل الحت والتعرية الهيكل العظمي المحطم إلى السطح، لقد كان هشا للغاية لدرجة أن يتحول إلى غبار بمجرد لمسه". [٤٢]

لا بد من قياس دقيق لشكل العظام المختلفة للادعاء بأن كائنا من عائلة الأناسي كان يمشي على الأرض على قدمين، كيف لنا إذا الوثوق بالادعاءات حول أردي لتكون "حجر رشيد في فهم حالة المشي على قدمين" إن كانت العظام محطمة لفتات وتتحول لغبار بمجرد لمسها؟ يعتبر كثير من علماء الأحافير البشرية المتشككين أن هذه ادعاءات لا يمكن تصديقها، وكما ورد في Science:

"لا يثق العديد من الباحثين بهذه النتائج، بعضهم يشك في حقيقة إظهار عظام الحوض المهشمة لتفاصيل تشريحية لازمة لإثبات المشي على قدمين، وتقول عالمة الأحافير البشرية كارول وورد - من جامعة ميسوري بكولومبيا- أن عظام الحوض في أحسن أحوالها تقترح المشي على قدمين ولا تستطيع تأكيد ذلك، كما أن قرد أردي لا يظهر توضع الركبة فوق الكاحل، بما يعني أنه عندما كان يمشي على قدمين كان عليه أن ينقل وزنه إلى أحد الطرفين، كما أن عالم الأحافير البشرية ويليام جنغرز - من جامعة ستوني بروك بولاية نيويورك - غير متأكد من أن هذا الهيكل العظمي لكائن يمشي على قدمين، فيقول: "صدقني هذا شكل فريد من المشي على قدمين، إن القحف الأمامي وحده لا يكفي للقطع بهيئة الكائن البشري حسب رأيي". [٤٣]

ويقول عالم المقدمات (علم المقدمات هو الذي يدرس رتبة الرئيسيات) إستيبان سارمينتو في ورقة علمية بمجلة Science أن :

"كل الصفات التي ذكرت أنها توحي بأن القرد أردي كان يمشي على قدمين ضرورية لحيوان يمشي على أربع أقدام، وإن قطعة القدم التي وجدت للقرد أردي توحي بقرابتها الوظيفية من قدم الغوريلا: وهو حيوان أرضي أو نصف أرضي يمشي على أربع أقدام ولا يمشي على قدمين اختياريا".[٤٤]

وينتقد البعض فكرة أن القرد أردي هو أحد أسلافنا نحن البشر، عندما أعلن عن القرد أردي لأول مرة قال برنارد وود: "أعتقد أن الرأس متفق مع كون الحيوان من مجموعة البشريين، لكن بقية الجسد موضع تساؤلات أكبر"، وبعد ذلك بعامين شارك وود في كتابة ورقة علمية في مجلة Nature تفصل هذه الانتقادات وملاحظا أنه :

"إن كان القرد أردي أحد البشريين وأحد أسلاف البشر المعاصرين فهذا يعني أن الأحفورة تملك درجة عالية من التطور التقاربي homoplasy مع القردة العليا المنقرضة، أي أن القرد أردي يملك الكثير من السمات القردية، وإن طرحنا جانبا تفضيلات العديد من علماء الأحافير البشرية التطوريين فإن القرد أردي يملك سمات أقرب للقردة الحالية من البشر"

ووفقا لمقال آخر في ScienceDaily يناقش ورقة وود في Nature فإن: “الادعاء بأن أردي هو أحد أسلاف البشر ادعاء بسيط ومختصر جدا لحقيقة ما جرى"

وكما يقول عالم الأنثروبولوجيا ريتشارد كلين من جامعة ستانفورد فإنني:

"لا أعتقد أن أردي كان أحد الأناسي أصلاً ولا كان يمشي على قدمين".

ويلاحظ سارمينتو أن لأردي صفات مختلفة عن البشر وعن القردة، ففي مقابلة مع مجلة التايم بعنوان (أردي: سلف البشر الذي لم يكن سلفا) قال فيها سارمينتو:

" لم يعط تيم وايت أي دليل على أن أردي ينتمي لسلالة البشر التطورية، إن الصفات التي تكلم عنها وايت على أنها مختصة بالبشر موجودة أيضا عند القردة وفي أحافير القردة التي نعتبر أنها لا تنتمي لسلالة تطور البشر".

إن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه وايت -وفقا للورقة البحثية -كان في استخدام سمات ومبادئ قديمة في تصنيف أردي والفشل في تحديد اللمحات التشريحية التي تبعد أردي عن سلالة البشر، ويطرح سارمينتو مثالا على ذلك من جمجمة أردي إذ أن السطح الداخلي لمفصل الفك مفتوح كما هو الحال عند الأورانغوتان والغيبون وليس ملتحما ببقية الجمجمة كما هو الحال عند البشر والقردة الإفريقية، وهو ما يقترح انفصال أردي عن الخط السلالي قبل ظهور هذه السمة عند السلف المشترك للبشر والقردة.

أيا يكن أردي، فإن الجميع متفقون على أن هذه الاحفورة مهشمة للغاية وتحتاج أعمال إعادة بناء مكثفة، ومع هذا يتعصب مكتشف هذه الأحفورة على أنها تعود لأحد أسلاف البشر أو شيء قريب من ذلك وأنه كان يمشي على قدمين، لا شك أن هذا الجدل سيستمر، لكن هل نحن ملزمون بتصديق الادعاءات العريضة التي يطلقها مكتشفو أردي في الإعلام؟ لا يعتقد سارمنتو ذلك، ووفقا لمجلة التايم فإنه يعتبر أن "الضجة الإعلامية المرافقة لأردي مضخمة للغاية".

ما يلي ذلك من البشريين: جنس القردة الجنوبية

نشرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك في أبريل 2006 مقالا بعنوان: "يقول العلماء: وجدنا أحفورة تمثل الرابط المفقود في سلسلة تطور البشر" وأعلنت فيه اكتشاف ما وصفته الأسوشيتد برس بـ "السلسلة الأكثر اكتمالا للتطور البشري حتى الآن"، تعود هذه الأحافير لنوع القردة الجنوبية Australopithecus anamensis وهي تربط بين القرد أردي وبين سلالته من جنس القردة الجنوبية.

ما الذي وُجد بالفعل؟

وفقا للورقة العلمية التي تعلن عن الاكتشاف فإن هذه الادعاءات مبنية على عدة أسنان نابية متفرقة من الحجم المتوسط، واستخدم لفظ "القوة الماضغة المتوسطة" في الورقة، إن كان زوج من الأسنان متوسطة الحجم عمرها 4 ملايين سنة هي السلسلة الأكثر اكتمالا للتطور البشري حتى الآن فمن البديهي أن يكون الدليل على التطور البشري متواضع للغاية.

نتعلم من هذا الذي جرى ألا نتأثر بالضجة الإعلامية بالمقام الأول كما نتعلم شيئا مهما أخر، إن استعمال كلمة "الرابط المفقود" هو اعتراف رجعي بالجهل الأولي، يعترف علماء التطور بوجود فراغات كبيرة في الشجرة التطورية حتى ولو ظنوا أنهم وجدوا الدليل الذي يسد تلك الفراغات، تعترف الورقة التقنية التي تصف الأسنان الأحفورية المكتشفة بالقول:

" كان أصل القردة الجنوبية لوقت قريب مشوشا نتيجة تناثر السجل الأحفوري. إن أصل القردة الجنوبية -الجنس الذي يعتبر في الغالب سلفا للجنس البشري Homo-مشكلة محورية في دراسات التطور البشري"،

تختلف القردة الجنوبية بشكل ملحوظ عن القردة الإفريقية المنقرضة -الأسلاف المرشحة للأناسي-كالقرد أردي وأورورين والقرد الساحلي Sahelanthropus، وبعد هذه التعليقات تصرح مقالة في موقع MSNBC.com أنه "حتى الآن، فإن لدى العلماء صورا متقطعة عن تطور البشر متناثرة حول العالم".

يخاطر علماء التطور -الذين يعترفون رجعيا بالجهل-بأن الدليل الذي يفترض أن يكون قد ملأ الفراغات غير مقنع بحد ذاته، وهذا هو الحال هنا عندما جعلوا زوجاً من الأسنان الماضغة متوسطة الحجم بمرتبة "الحل الجوهري للمشكلة المركزية في دراسات التطور البشري" و"السلسلة الأكثر اكتمالا للتطور البشري حتى الآن".

ويضاف لذلك أن القردة الجنوبية australopithecines تختلف بشكل ملحوظ عن أسلافها المفترضة -القرد أردي وأورورين والقرد الساحلي، وبالنظر لتجزؤ العينات القديمة وغموضها فإن التحليلات الموضوعية الأعمق لفترة تطور البشريين الأوائل تظهر نفس ما عبر عنه تيم وايت بـ "الثقب الأسود في السجل الأحفوري".

القردة الجنوبية أشباه قردة

في الوقت الذي تبدو فيه أنواع القرد الساحلي Sahelanthropus والأورورين والقرد أردي محط جدل نظرا للطبيعة المجزأة للعينات المتوفرة، إلا أن هناك العديد من العينات الكافية للقردة الجنوبية لتعطينا فكرة واضحة عن شكلها، ومع ذلك تبقى التجاذبات حول كون القردة الجنوبية أسلافا منتصبة المشي لجنس البشر Homo.

القردة الجنوبية Australopithecus مجموعة منقرضة من عائلة الأناسي عاشت في إفريقيا منذ ما يزيد على 4 ملايين سنة وحتى مليون سنة مضت، قام علماء التقسيم (علماء الأحافير البشرية الذين ينزعون لتفصيل الأحافير إلى أنواع كثيرة ضمن السجل الأحفوري) وعلماء التجميع (علماء الأحافير البشرية الذين ينزعون لتجميع الأحافير إلى أقل عدد ممكن من الأنواع) ببناء نماذج تصنيفية متعددة للقردة الجنوبية، هناك أربع أنواع متفق عليها تقريبا من هذه القردة وهي: القرد الجنوبي العفاري afarensis والقرد الجنوبي الإفريقي africanus والقرد الجنوبي القوي robustus والقرد الجنوبي بويزي boisei، للنوعين القوي والبويزي عظام أكبر وأقوى من بقية الأنواع وتصنف أحيانا (سابقاً) ضمن جنس أشباه البشر Paranthropus، ووفقا للتفكير التطوري التقليدي فإنها تمثل فرعا عاش وانقرض دون أن يترك عقبا له، إن الأنواع الأخرى الأضعف - الإفريقي والعفاري، والتي تضم الأحفورة الشهيرة لوسي- عاشت في وقت سابق وتصنف ضمن جنس القردة الجنوبية، يعتقد أن هذين النوعين سلفان مباشران للإنسان.

من أشهر أحافير القردة الجنوبية المعروفة حتى الآن أحفورة لوسي لأنها إحدى أكثر الأحافير اكتمالا من بين كل البشريين (السابقين لظهور الجنس Homo)، يبدو أنها كائن شبيه بالقرد يمشي على رجلين وتصلح لتكون سلفا نموذجيا للإنسان.

جاءت الأحفورة لوسي إلى مركز الباسيفيك للعلوم في بلدتي -سياتل عام 2009، وبمجرد دخولي للغرفة التي فيها الأحفورة وجدت صندوقا زجاجيا غليظا يحوي هذه العظام، لقد صدمت من عدم اكتمال العظام، 40% من العظام مكتشفة فقط، والنسبة الكبرى من الهيكل هو هيكل معدني داعم (انظر الشكل 4.3). أمكن استعادة القليل المفيد فقط من جمجمة لوسي، ومع كل ذلك فهي العينة الأهم حتى الآن.

الشكل 4.3 البقايا الهيكلية من لوسي

هناك بعض المنطق في التشكك بكون لوسي تمثل فردًا واحدًا أو تعود لعينة واحدة، ففي عرض مصور في المعرض يعترف مكتشف الأحفورة دونالد جوهانسون أنه وجد عظام الأحفورة مبعثرة على سفح تلة ووجد عظاما أجنبية في الموقع، وكتب جوهانسون أنه لم يجد العظام مجتمعة في مكان واحد:

"ونظرا لكون العظام غير موجودة في مكان واحد فمن الممكن أنها أتت من أي مكان أعلى في السفح، لا وجود لأي قالب حول أي من العظام المكتشفة، وكل ما نستطيعه هو وضع جمل احتمالية حول ذلك".

لقد كانت العظام منتشرة على سفح التلة ولم تكن مرتبطة ببعضها على شكل هيكل واحد، وتقول آن جيبون أن "فريق جوهانسون قد انتشر على طول المجرى الصخري لجمع عظام لوسي"، يشرح جوهانسون أنه لو حدثت عاصفة مطرية أخرى لما كان بالإمكان إيجاد عظام لوسي نهائيا، لا يولد هذا ثقة بوحدة الهيكل العظمي: إن كانت عاصفة أخرى ستمحو أثر العظام، فما الذي فعلته العواصف المطرية السابقة؟ ألم تخلطها مع هياكل عظمية أخرى؟ من يدري؟ هل تمثل لوسي أكثر من فرد أو أكثر من نوع؟

الرد التقليدي هو عدم وجود أي عظمة مكررة من عظام لوسي بما يوحي أنها لفرد واحد، هذا ممكن بكل تأكيد لو كانت العينة كاملة، أما وأن العينة ناقصة بشكل حاد فلا معنى لهذا الجواب نهائيًا، من الصعب القول بثقة عالية أن الأجزاء المفتاحية من الهيكل العظمي -كنصف الحوض ونصف الفخذ- تعود لشخص واحد، ومع ذلك فإن هذين العظمين هما الأكثر دراسة وأهمية ومنهما يستقي الباحثون أن لوسي كانت تمشي منتصبة، وكما يدعي مركز الباسيفيك العلمي فإن نوع لوسي "كان يمشي على قدمين كما نفعل نحن البشر" وأن هيكله العظمي "عبارة عن جمجمة شبيهة بجمجمة الشمبانزي مركبة على جسد شبيه بجسد البشر".

للوسي جمجمة صغيرة تشبه جمجمة الشمبانزي، ويلاحظ ليي بيرجر -عالم الأحافير البشرية من جامعة ويتووترسراند – أن:

"وجه لوسي أفقم (فك ناتئ) بنفس درجة نتوء وجه الشمبانزي المعاصر"

في المقابل هناك معارضة قوية لفكرة كون لوسي هجينا شكليا من البشر والقردة، يرفض بيرنارد وود سوء الفهم هذا فيقول:

"يفهم البعض بشكل خاطئ أن للقردة الجنوبية خليطا من صفات البشر المعاصرين والقردة المعاصرين، أو يظن البعض ظنا أسوأ أنها مجموعة فاشلة من البشر، ليست القردة الجنوبية بهذا ولا ذاك".

يرفض العديد من العلماء الادعاء بأن لوسي كانت تمشي كما نمشي نحن، أو على الأقل تمشي على رجلين بشكل ما، يلاحظ مارك كوللارد وليزلي آيللو في مجلة Nature أن:

"الجزء الأكبر من جسد لوسي شبيه بجسد القردة وخصوصا فيما يتعلق بالأصابع الطويلة المنحنية والأيدي الطويلة والصدر قمعي الشكل، نستنتج بشكل أفضل من هذه العينة وعظام يدها أنها كانت تمشي على مفاصل أصابع يدها كما يفعل الشمبانزي والغوريلا اليوم".

من الغني القول أن علماء الأحافير البشرية الذين يريدون من لوسي أن تكون سلفا للبشر يمشي على رجلين سيرفضون فكرة المشي بالاعتماد على مفاصل أصابع اليد، ينتمي كوللارد وآيللو لهذا الصنف، إذ يعتبران أن الاستنتاج الذي وصلا إليه مخالف للمنطق ويقترحان أن يكون القرد الجنوبي العفاري (لوسي) قادراً على المشي منتصباً والمشي على مفاصل أصابع يده وتسلق الأشجار، لكن هذا الافتراض ضعيف لأن كل واحدة من أشكال الانتقال هذه مانعة من وجود الأخرى، لكنهما يفترضان بقاء قدرة لوسي على المشي على مفاصل الأصابع كشيء موروث من الأسلاف، وليس آلية الانتقال الرئيسية، يشرح المحرر العلمي جيرمي شيرفاس سبب الشك بهذا الاقتراح:

"يقترح كل شيء في عينة لوسي من أًصابع يدها لأقدامها أن لوسي وأخواتها قد امتلكت عدة خصائص مناسبة للتسلق على الأشجار، يمكن اكتشاف تكيفات مماثلة لتسلق الأشجار -رغم تراجعها-عند الأناسي المتأخرين كعينة الإنسان الماهر Homo habilis المكتشفة بعمر مليوني سنة في وادي أولدوفاي، يمكن الاحتجاج بأن تكيف لوسي مع تسلق الأشجار هو بقايا من تاريخها في العيش على الأشجار، لكن الحيوانات لا تمتلك عادة سمات لا تستخدمها، وإن وجودها في عينات بعد مليوني سنة من ذلك يجعل تفسير وجودها بأنها بقايا سابقة غير ممكن".

عندما يقف الدليل في وجه كون لوسي كائنا يمشي على قدمين سيتم طرح الفكرة جانباً، لكن المحرض الرئيسي لهذا الطرح هو القناعة التطورية بأن البشر المعاصرين بحاجة لسلف شبيه بالقرد يمشي على قدمين بشكل كلي، يقول علماء أحافير بشرية بارزون أن نمط تنقل لوسي يختلف كثيراً عن نمط تنقل البشر.

ويحتج ريتشارد ليكي وروجر لوين أن القرد الجنوبي العفاري -وغيره من القردة الجنوبية -لم يكن متكيفا مع المشي عبر الخطو والركض كما يفعل البشر، واقتبسا قول عالم الأنثروبولوجيا بيتر شميد -عالم أحافير في معهد الأنثروبولوجيا بزيوريخ-حول كمية الصفات غير البشرية لدى الهيكل العظمي للقرد لوسي:

"أُرسِل لنا جزء من الهيكل العظمي للوسي وطُلِب مني تجميعه من أجل العرض .. وعندما بدأت بتجميع الهيكل توقعت أن يكون الهيكل الناتج لبشر، فالكل يتكلم عن لوسي ككائن متحضر شبيه بالبشر، لكني صدمت بما نتج معي، ما ستراه من القرد الجنوبي ليس ما تود رؤيته من كائن يمشي ويركض على رجلين، الأكتاف عالية ومدمجة بالصدر قمعي الشكل بما يجعل اليد متأرجحة بطريقة غير ملائمة بالمنظور البشري، لم تكن لوسي قادرة على رفع الصدر من أجل أخذ نفس عميق كما نفعل نحن أثناء الركض، البطن عظيم ولا وجود للخصر وهو الضروري لمرونة عملية الركض لدى البشر".

تؤكد دراسات أخرى اختلافات القردة الجنوبية عن البشر وتشابهها مع القردة، للقردة الجنوبية قناة سمعية داخلية (مسؤولة عن التوازن ولها علاقة بالحركة) مختلفة عن التي يملكها الجنس البشري Homo ولكنها تشبه تلك التي لدى القردة العليا.

إن سمات النمو الجنيني لدى القردة الجنوبية وقدرتها على الإمساك بالأشياء بأصابع قدمها (سمات موجودة أيضا لدى القردة العليا) دفع أحد المراجعين العلميين في مجلة Nature للقول بأن:

"القردة الجنوبية -وبغض النظر عن تصنيفها تطوريا ضمن البشريين أو لا-تعتبر من القردة وفق البيئة التي تعيش فيها".

في عام 1975 نشر أوكسنارد ورقة علمية في مجلة Nature مستخدما تحليلات إحصائية متعددة المتغيرات للمقارنة بين السمات الأساسية لهياكل القردة الجنوبية مع الأناسي التي ما تزال حية، وجد أوكسنارد أن القردة الجنوبية تملك خليطا من السمات المميزة لها والسمات الشبيهة بتلك التي لدى الأورانغوتان، ثم استنتج أوكسنارد:

"إن كانت هذه التقديرات صحيحة فسيتضاءل احتمال كون القردة الجنوبية جزءاً من خط أسلاف البشر".

حتى أسنان لوسي وجدت مناقضة لفرضية كونها أحد أسلاف البشر، إذ تعلن ورقة علمية نشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences الأمريكية أن:

"تشريح فك القرد الجنوبي العفاري مشابه لفك الغوريلا بشكل صادم وهو ما يلقي بالشك على دور القرد الجنوبي العفاري كسلف للبشر المعاصرين".

الشكل 5.3 مقارنة بين القردة الجنوبية (اليمين) والبشريين الأوائل (اليسار)، العظام السوداء تشير إلى العظام المكتشفة في الحقيقة، من الكتاب التطوري Population Bottlenecks and Pleistocene Human Evolution

لقد صرح العديد من الباحثين بأن حوض لوسي يدعم فرضية كونها تتنقل على قدمين، لكن جوهانسون وفريقه قد صرحوا أن الحوض مهشم بشدة عند اكتشافه مع كسور وتشوهات، دفعت هذه المشاكل أحد المفسرين لاقتراح سبب جديد لتشابه عظام حوض لوسي مع عظام البشر -واختلافها جداً عن عظام حوض غيرها من القردة الجنوبية - وهو الخطأ في عملية إعادة بناء الحوض، وهو ما منح حوض لوسي الشبه بالحوض البشري على مستوى العجز، نشر الاقتراح في Journal of Human Evolution.

واستنتجت ورقة علمية أخرى في نفس المجلة أن نقص البيانات الأحفورية الواضحة حول لوسي يمنع علماء الأحافير البشرية من اتخاذ استنتاجات مؤكدة حول نمط حركتها: "من المستحيل أخذ فكرة عامة عن وضعية لوسي. لحل هذه الاختلافات لا بد من أدلة تشريحية أحفورية جديدة، البيانات المتاحة حاليا مفتوحة أمام الكثير من التكهنات المختلفة".

تقول ليزلي آيللو -رئيسة قسم الأنثروبولوجيا في جامعة لندن-أنه :

"عندما يتعلق الأمر بالتنقل والحركة فإن القردة الجنوبية تتحرك كالقردة، في حين يتحرك أفراد الجنس البشري Homo كالبشر، لقد حدث شيء جوهري عندما تطور الجنس البشري Homo، شيء آخر يضاف إلى تطور الدماغ"

إن لفظ "شيء جوهري" يعني الظهور المفاجئ لجسم الإنسان ودون وجود أسلاف تطورية في السجل الأحفوري.

نظرية الانفجار الكبير لظهور البشريين (هومو)

لو أن البشر قد تطوروا من أسلاف شبيهة بالقردة فما هي الأنواع الانتقالية التي تربط البشريين أشباه القردة (الذين ناقشناهم آنفا) وبين الأنواع البشرية كاملة الهيئة البشرية من الجنس Homo الموجودة في السجل الأحفوري؟

لا يوجد أي نوع مرشح ليكون هذا الرابط، يذكر العديد من علماء الأحافير البشرية نوع الإنسان الماهر Homo habilis (المستخدم للأدوات، ويؤرخ ظهوره بـ 1.9 مليون سنة) كرابط انتقالي بين القردة الجنوبية وجنسنا البشري Homo، لكن هناك الكثير من الأسئلة حول عينات هذا النوع، يقول إيان تاترسال (عالم أنثروبولوجيا في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي) أن تصنيف هذا النوع "يصلح ليكون سلة مهملات لعملية التصنيف حيث أنه يستقبل تشكيلة متنوعة من أحافير البشريين"، ويعود تاترسال ليؤكد وجهة النظر هذه في عام 2009 ويكتب مع جيفري شوارتز أن نوع الإنسان الماهر "يمثل تشكيلة من أنواع الأناسي المختلفة".

يفسر عالم الأحافير البشرية آلان ولكر -من جامعة ولاية بنسلفانيا-الجدل الشديد حول هذا النوع:

"ليست المشكلة في أن أحافير هذا النوع مجزأة ويصعب الاتفاق عليها فقط، بل إن البعض يصنف الجماجم الكاملة ضمن أنواع أو حتى أجناس مختلفة"، أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاختلاف هو أن جودة الأحافير سيئة، ويقول ولكر: "رغم كل الكلام المنشور حول هذا النوع إلا أنه لا وجود لدليل عظمي يدعم كل هذا القدر من الخيال".

بتجاهل الصعوبات التي تواجه الإقرار بأن الإنسان الماهر نوع موجود حقا توجد مشكلة زمنية أخرى تجعل من غير الممكن لهذا النوع أن يكون سلفا لجنسنا البشري، لا تسبق أحافير الإنسان الماهر ظهور أفراد الجنس البشري Homo (والتي تظهر في السجل الأحفوري منذ 2 مليون سنة)، أي لا يمكن للإنسان الماهر أن يكون سلفا لجنسنا.

تؤكد الدراسات الشكلية عدم إمكانية كون الإنسان الماهر مرحلة انتقالية وسيطة بين القردة الجنوبية والجنس البشري، وفي مراجعة علمية موثوقة بعنوان "الجنس البشري" نشرت في Nature عام 1999 - من قبل عالمي الأحافير البشرية البارزين برنارد وود ومارك كولارد - يُذكر أن الماهر يختلف عن الجنس البشري بحجم الجسم وشكله ونمط حركته، إنه يختلف في الفك والأسنان والأنماط النمائية وحجم المخ، ويجب إعادة تصنيفه ضمن القردة الجنوبية، وتذكر مقالة منشورة في مجلة Science لعام 2011 أن الماهر يتحرك بطريقة مشابهة للقردة الجنوبية أكثر من تشابه حركته مع البشر كما أن نظامه الغذائي يشابه كثيرا نظام لوسي مقارنة مع الإنسان المنتصب H. erectus، يشترك الماهر - كما القردة الجنوبية - بصفات مع القردة المعاصرة أكثر من اشتراكه بالصفات مع البشر، ووفقا لوود فإن أسنان الماهر "تنمو بسرعة موازية لسرعة نمو أسنان القردة الإفريقية مقارنة مع النمو البطيء للأسنان عند البشر".

ووجدت دراسة لمجلة Nature على القناة السمعية للماهر أن جمجمة الماهر مشابهة جدا للسعدان وأن صاحب الأحفورة يعتمد المشي على قدمين بشكل أقل من القردة الجنوبية، وتستنتج المقالة أن تجاويف الأذن في جمجمة الماهر تلغي احتمال كونه شكلا وسيطا بين القردة الجنوبية والإنسان المنتصب، ووجدت دراسة أخرى في The Journal of Human Evolution من قبل سيغريد شيرر و روبرت مارتن أن هيكل الماهر أشبه بالقردة الحية من القردة الجنوبية كـ "لوسي"، واستنتجا أن "من الصعب القبول بتسلسل تطوري يكون فيه الإنسان الماهر شكلا وسيطًا بين القردة الإفريقية العفارية وبين الإنسان المنتصب بشكل كامل، نظرا لعدم تشابه تكيف الماهر الحركي مع البشر"، وتشرح شيرر: "لا يمكن إثبات التوقعات التي تبنى على تشابهات مقدمة القحف بين الماهر والأفراد المتأخرين من الجنس البشري".

"وبالمقابل يظهر الماهر تشابهات أشد -من ناحية توزيع الأطراف -مع القردة الإفريقية أكثر من تشابهه مع لوسي، إن هذه النتائج غير متوقعة بالنظر للتفسيرات السابقة التي تشير لكون الماهر كرابط انتقالي بين البشر والقردة الجنوبية"

بغياب الماهر، من الصعب إيجاد أحفورة لأحد البشريين لتكون رابطا مباشراً بين القردة الجنوبية والجنس البشري، وإنما يظهر الإنسان بشكل مفاجئ.

ذكرت مقالة لمجلة Science عام 1998 أن سعة الجمجمة أخذت بالنمو السريع منذ مليوني سنة مما أدى إلى تضاعف حجم الدماغ، ووجدت مقالة وود وكولارد في Science لعام 1999 أن صفة واحدة فقط في أحد أحافير البشريين مرشحة لتكون صفة وسيطة بين البشر والقردة الجنوبية: إنها حجم الدماغ لدى الإنسان المنتصب Homo erectus، وحتى بوجود هذه الصفة الانتقالية فهذا لا يعني أنها دليل على تطور البشر من أناسي أقل ذكاء، يشرح وود و كولارد: إن تسلسل حجم الدماغ في أحافير الأناسي لا يتفق مع تسلسل الصفات الأخرى، يقترح هذا أن العلاقة معقدة بين حجم الدماغ النسبي ومنطقة حدوث التكيف.

وأظهر غيرهما أيضا أن الذكاء يتحدد بشكل كبير بالتنظيم الداخلي للدماغ وهو أعقد بكثير من أن يكون متعلقا بمتغير واحد كحجم الدماغ، وكتبت إحدى الأوراق العلمية في مجلة International Journal of Primatology أن "حجم الدماغ قد يكون أمراً ثانويًا مقارنة مع الفوائد الانتخابية لإعادة تنظيم الدماغ داخليا"، لذا فإن إيجاد عدة جماجم متوسطة الحجم لا يعتبر كافيا لدعم افتراض أن البشر قد تطوروا من أسلاف أكثر بدائية (انظر الشكل 6.3).

وكما هو الحال بالنسبة لحجم الدماغ، فقد افترضت دراسة حول عظام حوض القردة الجنوبية والبشر وجود "فترة من التطور السريع جدًا تتزامن مع ظهور الجنس البشري"، نشرت الدراسة في Journal of Molecular Biology and Evolution ووجدت أن القردة الجنوبية تختلف إحصائياً عن الجنس البشري في حجم الدماغ ووظائف الأسنان ومتانة دعامة الجمجمة وتمدد طول الجسم بالإضافة للتغيرات البصرية والتنفسية، وجاء في المقال: "نحاول - كغيرنا- تفسير الدليل التشريحي لإظهار أن الإنسان العاقل الأول H. sapiens يختلف بشكل كبير عن القردة الجنوبية وذلك في كل جزء من الهيكل العظمي وكل تصرف سلوكي".

سمّت الدراسة ظهور البشر بـ "التسارع الحقيقي في التغيرات التطورية مقارنة بالخطى التطورية البطيئة للقردة الجنوبية" وصرحت بأن مثل هذا التحول يتضمن تغيرات جذرية: "يشير تشريح عينات الإنسان العاقل الأول إلى حدوث تعديلات هامة على الجينوم السلف ليست امتدادا طبيعيا للنزعة التطورية للجينوم عند القردة الجنوبية خلال العصر البليوسيني، إن هذه التوليفة من الصفات لم تظهر من قبل".

الشكل 6.3 له رأس كبير؟ ليس له رأس كبير، حجم الدماغ ليس مؤشرا جيدا على الذكاء أو العلاقات التطورية، مثال: للنياندرتال متوسط حجم جمجمة أكبر من جمجمة الإنسان المعاصر، كما أن حجم الجمجمة يختلف كثيرا بين أفراد النوع الواحد (انظر الشكل 8.3). وبالنظر لوجود تنوع جيني لدى البشر المعاصرين يمكننا بناء سلسلة متدرجة من الجماجم الصغيرة نسبيا إلى الكبيرة باستخدام البشر الأحياء اليوم فقط، سيعطي هذا انطباعا خاطئا عن تسلسل تطوري ضمن هذه السلسلة بينما هي في الحقيقة ناتجة عن طريقة التعامل مع البيانات لا أكثر، الدرس المستفاد من ذلك ألا نكون متأثرين بما تعرضه كتب المراجع وعناوين الأخبار ووثائقيات التلفاز من وجود تدرج في أحجام الجماجم من الصغير للكبير.

إن التغيرات السريعة والاستثنائية والكبيرة جينيا تدعى بـ "الثورة الجينية" بحيث "لا يصلح أي نوع من أنواع القردة الجنوبية كنوع انتقالي"، وأكد علماء الأحافير البشرية دانيل ليبرمان وديفيد بيلبيم وريتشارد رانغهام من جامعة هارفارد على نقص الدليل الأحفوري على حدوث هذا الانتقال المفترض من القردة الجنوبية إلى الجنس البشري:

"من بين كل الانتقالات التي شهدها تطور الإنسان فإن الانتقال من القردة الجنوبية إلى الجنس البشري بلا شك هو الانتقال الأكبر وله الآثار الأهم، وكما هو الحال في العديد من الأحداث التطورية الهامة فهناك أخبار جيدة وسيئة، الخبر السيئ هو اختفاء التفاصيل الانتقالية نظرا لندرة الأحافير والآثار، أما الخبر الجيد فهو أنه على الرغم من نقص الكثير من التفاصيل حول كيفية وزمان ومكان حدوث هذا الانتقال من القردة الجنوبية إلى الجنس البشري إلا أننا نملك الكثير من البيانات التي تسبق والتي تلي هذا الانتقال بما يكفي لبناء استدلالات حول الطبيعة العامة لهذا الانتقال"، أي أن السجل الأحفوري يقدم وصفا للقردة الجنوبية شبيهة القردة وللجنس البشري من أشباه البشر ولكنه لا يوثق أي أحافير انتقالية بينهما، نظراً لغياب الدليل الأحفوري، فإن الادعاءات التطورية حول الانتقال إلى الجنس البشري هي محض "استدلالات" من دراسة أحافير "غير انتقالية" ومن ثم افتراض حدوث هذا الانتقال "بشكل ما" و"بطريقة ما" في "وقت ما".

لا يعتبر هذا دليلاً تطورياً مقنعاً حول أصل الإنسان، يسلم إيان تاترسال بالنقص في الأدلة الانتقالية وصولا إلى البشر فيقول: "لقد كان تاريخنا الحيوي حدثاً مشتتاً بدل أن يكون مترقياً بالتدريج، فعلى مر الملايين الخمسة من السنين ظهرت أنواع جديدة من الأناسي وتنافست وتشاركت واستعمرت بيئات جديدة أو فشلت في كل ذلك، نملك نحن البشر التصور الأضعف لنشوئنا عبر هذا التاريخ الحافل من الابتكارات الحيوية.

الإنسان المعاصر (C) إنسان نياندرتال (B) الإنسان المنتصب (A)

الشكل 7.3 مقارنة بين أحجام الجماجم تظهر أن النياندرتال له جمجمة أكبر من الإنسان الحالي

يقر عالم الأحياء التطورية أيضا إرنست ماير بالظهور البشري المفاجئ فيما كتبه عام 2004:

"الأحفورة الأقدم للبشر هي لإنسان رودلف Homo rudolfensis وللإنسان المنتصب Homo erectus الذين ينفصلان عن جنس القردة الجنوبية Australopithecus بفجوة كبيرة خالية من الأحافير، كيف لنا أن نفسر هذا القفز الظاهري؟ بغياب الأحافير التي يمكن أن تلعب دور الشكل الانتقالي فإن علينا الاعتماد على الطرق المقدسة لعلوم التاريخ، ألا وهو بناء الرواية التاريخية".

وكما يفترض غيره فإن الدليل يقتضي إيجاد نظرية "انفجار كبير" لظهور جنسنا البشري،

كل أفراد العائلة

تشابه الأنواع الرئيسية من الجنس البشري (الإنسان المنتصب وإنسان نياندرتال والإنسان المعاصر) إلى حد كبير بخلاف القردة الجنوبية (انظر مقارنة الجماجم في الشكل 7.3)، إن درجة الشبه بيننا وبين هذه الأنواع جعلت بعض علماء الأحافير البشرية يصنفون هذه الأنواع ضمن نوع الإنسان العاقل Homo sapiens.

يظهر الإنسان المنتصب في السجل الأحفوري منذ أكثر من مليوني سنة، يشابه الإنسان المنتصب الإنسان المعاصر بكل شيء من عنقه إلى أسفل قدمه، ويعتبر النوع الأول الذي يملك الشكل المعاصر للأقنية السمعية الداخلية (المختصة بالتوازن أثناء الحركة) وهو ما لا نجده عند القردة الجنوبية والإنسان الماهر، ووجدت دراسة أن "الإنفاق الكلي للطاقة (مؤشر معقد يتعلق بحجم الجسم وجودة الغذاء وكيفية الحصول على الغذاء) قد ازداد بشكل كبير عند الإنسان المنتصب مقارنة مع القردة الجنوبية" مقتربا من القيمة العالية لإنفاق الطاقة الكلي عند البشر المعاصرين.

وتقول دراسة من منشورات جامعة أوكسفورد عام 2007 أنه "على الرغم من امتلاك الإنسان المنتصب لأسنان صغيرة وفك صغير إلا أنه كان أكبر حجما بكثير من القردة الجنوبية وهو أشبه بالبشر من ناحية شكل الجسم وقوامه ووزنه وتقسيماته، ومع أن متوسط حجم دماغ الإنسان المنتصب أقل من البشر المعاصرين إلا أن سعة جمجمة الإنسان المنتصب تندرج ضمن التنوعات الطبيعية لسعة جمجمة الإنسان المعاصر (الشكل 8.3).

يقترح دونالد جوهانسون أن الإنسان المنتصب لو كان حياً اليوم لكان قادراً على التزاوج بنجاح مع الإنسان المعاصر لإنجاب ذرية خصيبة، أي أننا لو لم نكن منعزلين زمنيا عن الإنسان المنتصب لتم اعتبارنا نوعاً واحداً قادراً على التزاوج والإنجاب، ورغم أن النياندرتال قد صنف كسلف بدائي للإنسان المعاصر إلا أنه مشابه جداً لنا لدرجة أنك لو مشيت بجانبه في الشارع فلن تكتشف فروقاً تذكر، يشرح وود وكولارد هذه النقطة بلغة علمية تقنية: "إن العدد الهائل من الهياكل العظمية لإنسان نياندرتال يشير إلى أن شكل الجسم ضمن مجال التنوعات الطبيعية للإنسان المعاصر".

يحتج بمثل ذلك عالم الأحافير البشرية إريك ترينكوس من جامعة واشنطن فيقول: "قد يكون للنياندرتال حواجب أسمك أو أنوف أعرض أو بنية مكتنزة لكنهم كالبشر تماماً سلوكياً واجتماعياً وتكاثرياً" وفي مقابلة أجرتها الواشنطن بوست مع ترينكوس رفض الأسطورة القائلة بأن النياندرتال أدنى عقلياً من البشر المعاصرين فقال: "رغم أن العامة من الناس تظن أن النياندرتال معشر بليد وغبي إلا أنه لا يوجد سبب مقنع يدفع للاعتقاد بأنهم أقل ذكاء من الإنسان المعاصر الأحدث، صحيح أن لهم أبدانا مكتنزة ولهم حواجب كثيفة وأسنان حادة وفكوك ناتئة إلا أن قدرتهم العقلية لا تختلف عن تلك التي لدى البشر المعاصرين كما يبدو".

الشكل 8.3 سعة القحف للأناسي الحية والمنقرضة
التصنيف سعة الجمجمة الشبه
الغوريلا 340–752 cc شبه القردة
الشمبانزي  Pan troglodytes 275–500 cc
القردة الجنوبية 370–515 cc

457 cc وسطيا

الإنسان الماهر 552 cc وسطيا 
الإنسان المنتصب 850–1250 cc

1016 cc  وسطيا

شبه الإنسان المعاصر
إنسان نياندرتال 1100–1700 cc

1450 cc  وسطيا

إنسان عاقل 800–2200 cc

1345 cc  وسطيا

ليست ظنون العوام فقط هي التي ترى في النياندرتال بهائم غير ذكية، ففي عام 2003 تتبعت مجلة Smithsonian هذه الأسطورة لتجد مصدرها عند علماء الأنثروبولوجيا الأوروبيين الأوائل الذين حرضتهم فكرة داروين عن "البشر الدون" وجاء فيها:

يقول عالم الأنثروبولوجيا الجسدية فريد سميث (الذي يدرس DNA النياندرتال، من جامعة لويولا في شيكاغو) :

"كان في ذهن علماء الأنثروبولوجيا الأوروبيين الذين درسوا النياندرتال لأول مرة أنهم تجسيد للإنسان البدائي الدون"، كان يعتقد أنهم نابشوا فضلات يصنعون أدوات بدائية ولا يستطيعون الكلام ولا التفكير الذهني، أما الآن فإن الباحثين يعتقدون بأن النياندرتال عالي الذكاء وله القدرة على التكيف مع مجموعة واسعة من المناطق البيئية المتنوعة وتصنيع أدوات عالية الوظيفية لتساعده في التكيف، إنه نوع بارع بامتياز.

ويؤكد عالم الآثار فرانسيسكو إرريكو من جامعة بوردو هذه الكلمات ويقول: "كان النياندرتال يستخدم التقنيات المتطورة التي كان يستخدمها الإنسان العاقل المعاصر له، كما كان يستخدم الرموز الذهنية بنفس الطريقة".

يدعم الدليل القوي هذه الادعاءات، يقول عالم الأنثروبولوجيا ستيفن مولنار: "يقدر متوسط حجم جمجمة النياندرتال 1450 مل وهو أكبر بقليل من حجم جمجمة الإنسان المعاصر الذي يبلغ 1345 مل، تقترح ورقة علمية في مجلة Nature أن "الأساس الشكلي لقدرة البشر على الكلام متطورة بشكل كامل لدى النياندرتال"، بل لقد وجدت بقايا النياندرتال في أماكن تحوي علامات على الثقافة والفن والمدافن وتقنيات تصنيع الأدوات المعقدة، تظهر إحدى المصنوعات أن النياندرتال قد صنع آلة موسيقية تشبه المزمار، بل إن مجلة Nature قد أعلنت عام 1908 عن اكتشاف هيكل شبيه بالنياندرتال يرتدي درعا من الزرد - وهو اكتشاف قديم وغير مؤكد، وبغض النظر عن صحة هذا الكشف من عدمه إلا أنه من الواضح أن النياندرتال متشابهون عقليًا جداً مع معاصريهم من الإنسان العاقل، وكما يقول عالم الآثار التجريبي ميتين إيرين: "عندما يتعلق الأمر بصناعة الأدوات فإن النياندرتال بكل الأحوال بنفس درجة ذكائنا أو لهم نفس قدرتنا"، وبالمثل، يقول ترينكوس أنه عندما تقارن الأوروبيين القدماء مع النياندرتال فإن كليهما "يبدو لنا متسخا ومنتناً، لكننا نعلم أن كلا منهما بشر، هناك سبب جيد للاعتقاد أنهم كانوا كذلك".

أحد هذه الأسباب هو وجود التنوع الشكلي في الهياكل العظمية التي تظهر مزيجا من الصفات لدى كل من الإنسان الحديث وإنسان نياندرتال والتي تشير إلى "انتماء النياندرتال والإنسان المعاصر لنفس النوع وأنهما قادران على التزاوج بحرية".

في عام 2010 أعلنت مجلة Nature عن اكتشاف واسمات DNA Markers النياندرتال عند الإنسان المعاصر: "يشير التحليل الجيني لقرابة 2000 شخص حول العالم إلى تزاوج أفراد من نوع النياندرتال مع نوعنا البشري مرتين تاركين جيناتهم ضمن DNA البشر اليوم".

ووفقا لعالم الأنثروبولوجيا الوراثية جيفري لونغ من جامعة نيومكسيكو: "لم يختف النياندرتال كليا لأنهم قد تركوا آثارهم في كل البشر الأحياء اليوم تقريبا"، أدت هذه الملاحظات للافتراض بأن النياندرتال هم أحد الأعراق ضمن نوعنا البشري".

رأينا في البداية كيف قال ليزلي آيللو أن "القردة الجنوبية يشبهون القردة، ومجموعة الجنس البشري Homo يشبهون البشر"، وهذا يتفق مع ما رأيناه في المجموعات الرئيسية للجنس Homo مثل الإنسان المنتصب H. erectus وإنسان نياندرتال، ووفقا لسيغريد شيرر فمن الممكن تفسير الاختلافات بين الأنواع الشبيهة بالبشر والتي تنتمي للجنس Homo من خلال التأثيرات التطورية الصغيرة microevolutionary نتيجة تنوعات الحجم والضغوط المناخية والانزياح الجيني genetic drift والتعبير التفريقي differential expression للجينات المشتركة، لا تقدم هذه الفروق الصغيرة أي دليل على تطور البشر من مخلوقات سابقة شبيهة بالقردة.

الخلاصة

يبدو واضحا تميز السجل الأحفوري للبشريين بأحافيره الناقصة والمجزأة، وقد رأينا الظهور المفاجئ للقردة الجنوبية (من أشباه القردة) منذ 3-4 ملايين سنة، في حين يظهر الجنس Homo منذ 2 مليون سنة، وبأسلوب مفاجئ أيضا ودون أي دليل على حدوث انتقال تدريجي من أشباه القردة، يشبه الأفراد التالون لذلك ضمن الجنس Homo البشر المعاصرين وتعود اختلافاتهم إلى تغيرات تطورية صغيرة.

اقتبست في مطلع هذا الفصل مقولة لعالم الأنثروبولوجيا من SMU رونالد ويثرنغتون يخبر بها لجنة التعليم في ولاية تكساس بأن السجل الأحفوري يحوي سلسلة "كاملة" تثبت تطورنا التدريجي الدارويني من أنواع شبيهة بالقردة، لقد ناقشنا شهادة ويثرنغتون هذه في ضوء الدليل الفعلي المذكور في الأدب العلمي المنشور ووجدنا أنه يمكننا وصف السجل الأحفوري للبشريين بكل شيء إلا بكونه "كاملًا"، هناك العديد من الفراغات ولا يوجد أي أحفورة انتقالية مقبولة بكونها السلف المباشر للبشر بشكل عام - حتى من قبل علماء التطور أنفسهم. لذا فإن الادعاءات التي تطلق من قبل علماء التطور أمام العامة مخالفة للواقع، إن ظهور البشر في السجل الأحفوري غير متدرج ولا يبدو أنه بسبب العمليات الداروينية التطورية، إن العقيدة التطورية القائمة على أن البشر قد تطوروا من نوع سلف شبيه بالقرد تتطلب استنتاجات تتجاوز الأدلة ولا يدعمها السجل الأحفوري.


References

  1. ١٫٠ ١٫١ Ronald Wetherington, Testimony before Texas State Board of Education (January 21, 2009). Original recording on file with author, SBOECommt- FullJan2109B5.mp3, Time Index 1:52:00-1:52:44
  2. ٢٫٠ ٢٫١ Donald Johanson and Blake Edgar, From Lucy to Language (New York: Simon & Schuster, 1996), 22–23
  3. Richard Lewontin, Human Diversity (New York: Scientific American Library,1995), 163
  4. Stephen Jay Gould, The Panda’s Thumb: More Reflections in Natural History (New York: W. W. Norton & Company, 1980), 126
  5. Frans B. M. de Waal, “Apes from Venus: Bonobos and Human Social Evolution,” in Tree of Origin: What Primate Behavior Can Tell Us about Human Social Evolution, ed. Frans B. M. de Waal (Cambridge: Harvard University Press, 2001), p68
  6. C. E. Oxnard, “The place of the australopithecines in human evolution:grounds for doubt?,” Nature, 258 (December 4, 1975): 389–95
  7. Alton Biggs, Kathleen Gregg, Whitney Crispen Hagins, Chris Kapicka, Linda Lundgren, Peter Rillero, National Geographic Society, Biology: The Dynamics of Life (New York: Glencoe, McGraw Hill, 2000), 442–43
  8. Sigrid Hartwig-Scherer and Robert D. Martin, “Was ‘Lucy’ more human than her ‘child’? Observations on early hominid postcranial skeletons,” Journal of Human Evolution, 21 (1991): 439–49
  9. Biggs et al., Biology: The Dynamics of Life, 438; Esteban E. Sarmiento, Gary J. Sawyer, and Richard Milner, The Last Human: A Guide to Twenty-two Species of Extinct Humans (New Haven: Yale University Press, 2007, p75, p83, p103, p127, p137
  10. Johanson and Edgar, From Lucy to Language, 82; Richard Potts and Christopher Sloan, What Does it Mean to be Human? (Washington D.C.: National Geographic, 2010)
  11. Earnest Albert Hooton, Up From The Ape, Revised ed. (New York: McMillan, 1946), p329
  12. For a firsthand account of one paleoanthropologist’s experiences with the harsh political fights of his field, see Lee R. Berger and Brett Hilton-Barber, In the Footsteps of Eve: The Mystery of Human Origins (Washington D.C.: Adventure Press, National Geographic, 2000)
  13. ١٣٫٠ ١٣٫١ Constance Holden, “The Politics of Paleoanthropology,” Science, 213 (1981):737–40
  14. Mark Davis, “Into the Fray: The Producer’s Story,” PBS NOVA Online (February 2002), accessed March 12, 2012, http://www.pbs.org/wgbh/nova/neanderthals/producer.html
  15. Henry Gee, “Return to the planet of the apes,” Nature, 412 (July 12, 2001):131–32
  16. Carl Zimmer, Smithsonian Intimate Guide to Human Origins (Toronto: Madison Books, 2005), 41; Meave Leakey and Alan Walker, “Early Hominid Fossils from Africa,” Scientific American (August 25, 2003), 16
  17. ١٧٫٠ ١٧٫١ Potts and Sloan, What Does it Mean to be Human?, 32–33
  18. Ann Gibbons, “A New Kind of Ancestor: Ardipithecus Unveiled,” Science, 326 (October 2, 2009): 36–40
  19. “Skull find sparks controversy,” BBC News (July 12, 2002), accessed March 4
  20. Milford H. Wolpoff, Brigitte Senut, Martin Pickford, and John Hawks, “Sahelanthropus or ‘Sahelpithecus’?,” Nature, 419 (October 10, 2002): 581–82
  21. Mark Collard and Bernard Wood, “How reliable are human phylogenetic hypotheses?,” Proceedings of the National Academy of Sciences (USA), 97 (April25, 2000): 5003–06
  22. Ronald Wetherington testimony before Texas State Board of Education (January 21, 2009). Time Index 2:06:00-2:06:08
  23. ٢٣٫٠ ٢٣٫١ Bernard Wood, “Hominid revelations from Chad,” Nature, 418 (July 11,2002):133–35
  24. John Noble Wilford, “Fossils May Be Earliest Human Link,” New York Times (July 12, 2001), accessed March 4, 2012, http://www.nytimes.com/2001/07/12/world/fossils-may-be-earliest-human-link.html
  25. John Noble Wilford, “On the Trail of a Few More Ancestors,” New York Times (April 8, 2001), accessed March 4, 2012, http://www.nytimes.com/2001/04/08/world/on-the-trail-of-a-few-more-ancestors.html
  26. Leslie C. Aiello and Mark Collard, “Our newest oldest ancestor?,” Nature,410 (March 29, 2001): 526–27
  27. K. Galik, B. Senut, M. Pickford, D. Gommery, J. Treil, A. J. Kuperavage, and R. B. Eckhardt, “External and Internal Morphology of the BAR 1002’00 Orrorin tugenensis Femur,” Science, 305 (September 3, 2004): 1450–53
  28. Sarmiento, Sawyer, and Milner, The Last Human: A Guide to Twenty-two Species of Extinct Humans, 35
  29. Christopher Wills, Children Of Prometheus: The Accelerating Pace Of Human Evolution (Reading: Basic Books, 1999), 156
  30. “Fossils May Look Like Human Bones: Biological Anthropologists Question Claims for Human Ancestry,” Science Daily (February 16,2011), accessed March 4, 2012, http://www.sciencedaily.com/releases/2011/02/110216132034.htm
  31. Bernard Wood and Terry Harrison, “The evolutionary context of the firsthominins,” Nature, 470 (February 17, 2011): 347–52
  32. Martin Pickford, “Fast Breaking Comments,” Essential Science Indicators Special Topics (December 2001), accessed March 4, 2012, http://www.esi-topics.com/fbp/comments/december-01-Martin-Pickford.html
  33. Aiello, L.C.; Collard, M.; (2001) Palaeoanthropology: Our newest oldest ancestor? Nature , 410 (6828) pp. 526-527
  34. Tim White, quoted in Ann Gibbons, “In Search of the First Hominids,” Science, 295 (February 15, 2002): 1214–19
  35. Jennifer Viegas, “‘Ardi,’ Oldest Human Ancestor, Unveiled,” Discovery News (October 1, 2009), accessed March 4, 2012, http://news.discovery.com/history/ardi-human-ancestor.html
  36. Randolph E. Schmid, “World’s oldest human-linked skeleton found,” MSNBC (October 1, 2009), accessed March 4, 2012, http://www.msnbc.msn.com/id/33110809/ns/technology_and_science-science/t/worlds-oldest-human-linked-skeleton-found
  37. Ann Gibbons, “Breakthrough of the Year: Ardipithecus ramidus,” Science, 326 (December 18, 2009): 1598–99
  38. Ann Gibbons, “A New Kind of Ancestor: Ardipithecus Unveiled,” 36–40
  39. Gibbons, “In Search of the First Hominids,” 1214–19
  40. Michael D. Lemonick and Andrea Dorfman, “Ardi Is a New Piece for the Evolution Puzzle,” Time (October 1, 2009), accessed March 4, 2012, http://www.time.com/time/printout/0,8816,1927289,00.html
  41. Gibbons, Ann “A New Kind of Ancestor: Ardipithecus Unveiled,” 36–40. See also Gibbons, The First Human: The Race to Discover our Earliest Ancestors, 15. (“The excitement was tempered, however, by the condition of the skeleton. The bone was so soft and crushed that White later described it as road-kill”).
  42. Jamie Shreeve, “Oldest Skeleton of Human Ancestor Found,” National Geographic (October 1, 2009), accessed March 4, 2012, http://news.nationalgeographic.com/news/2009/10/091001-oldest-human-skeleton-ardi-missing-link-chimps-ardipithecus-ramidus.html
  43. Gibbons, Anne “A New Kind of Ancestor: Ardipithecus Unveiled,” 36–40
  44. Esteban E. Sarmiento, “Comment on the Paleobiology and Classification of Ardipithecus ramidus,” Science, 328 (May 28, 2010): 1105b