العث المفلفل
أو الفراشات المفلفلة. حالة من التطور الصغروي تغير فيها اللون السائد في جماعة العث نتيجة تلوث الهواء خلال الثورة الصناعية. فازدادت الفراشات ذات اللون الغامق في تلك الفترة على حساب الفراشات الفاتحة، ثم عندما خفَّ التلوث سادت الفراشات فاتحة اللون مرة أخرى[١]. اعتبرت هذه الحالة مثالًا تعليميًا ممتازًا لفعل التطور الدراوني من خلال الانتقاء الطبيعي[٢]ولا يكاد يخلو كتاب من كتب التطور المدرسية من صورة للفراشة المفلفلة. فسرت هذه الحالة على أن الفراشات الغامقة كانت مرئية للمفترسين عندما ترتاح على الأشجار المغطاة بالأشنيات لكن مع حلول الثورة الصناعية، غطى السخام الأشجار وقتل الأشنيات الفاتحة، مما جعل الفراشات الغامقة على الأشجار أقل وضوحًا للطيور المفترسة مقارنة بالفراشات الفاتحة، فازداد افتراس الفراشات الفاتحة وقل عددها بكثير[٣].
برنارد كيتلويل
كان برنارد كيتلويل Bernard Kettlewell أول من اختبر هذه الفرضية تجريبيًا في سلسلة تجارب في الخمسينيات [٤] حيث أطلق عدة مجموعات من الفراشات المفلفلة في عدة أمكنة منفصلة ومتباعدة، وذلك على جذوع الأشجار. لاحظ كيتلويل في المناطق الملوثة أن الغامقة كانت أقل وضوحًا من الفراشات العادية، وأن الطيور افترستها بشكل أقل من العادية حيث أسر 27.5% من الغامقة، و13.0% فقط من الفاتحة، مما يشير إلى نجاة نسبة أكبر من الفراشات الغامقة من الافتراس. أما في المناطق غير الملوثة فكانت النسب المئوية معاكسة. فاستنتج أن الطيور تعمل كعوامل انتقائية، كما توقعت النظرية التطورية[٤]
الانتقادات
تجارب كيتلويل المعيبة
عندما نظر البيولوجيون في غير المناطق التي أجرى بها كيتلويل تجاربه، وجدوا تناقضات في التوزع الجغرافي المتوقع للفراشات الغامقة. مثلًا، إذا تمتعت الفراشات الغامقة في الغابات الملوثة بالميزة الانتقائية التي تشير إليها تجارب كيتلويل فلا بد أن تستبدل الفراشات الفاتحة بالكامل في المناطق الملوثة بكثرة مثل مانشستر. وهو الأمر الذي لم يحصل أبدًا مما يشير إلى احتمال تأثير عوامل أخرى غير الافتراس الانتقائي على تواتر الاغمقاق[٥].
في شرق أنجيلا East Angila حيث كان التلوث الصناعي قليلًا والفراشات الفاتحة مموهة بشكل أفضل على ما يبدو، وصلت نسبة تواتر الفراشات الغامقة 80% مما جعل لي وكريد يستنتجان أنه "إما أن تجارب الافتراس واختبارات الوضوح للبشر كانت مضللة أو أن هناك عاملًا أو عوامل أخرى بالإضافة للافتراس الانتقائي مسؤولة عن المحافظة على تواترات اغمقاق مرتفعة[٦]. عند مراجعة الأدلة الجغرافية استنتج بيري أنه"من الواضح أنه تم تحديد تواترات الفراشة المفلفلة الغامقة بوساطة شيء أكثر بكثير من اختلاف الافتراس المرئي من الطيور."[٧]
وإحدى المفارقات الجلية في توزع الاغمقاق هو غياب الارتباط مع الأشنيات التي تغطي جذوع الأشجار. فحتى كيتلويل لاحظ أن الاغمقاق بدأ بالتراجع قبل عودة الأشنيات ووجد لي وزملاؤه غياب الارتباط مع غطاء الأشنيات وهو الأمر الذين اعتبروه "مفاجئًا في ظل نتائج تجارب كيتلويل."[٨][٩]ووفقًا لغرانت وهوليت إذا كان نشوء الاغمقاق الصناعي ناجم أصلًا عن زوال الأشنيات على الأشجار: "إن التنبؤ بأن الأشنيات لا بد أن تسبق عودة الشكل النموذجي [للفراشات المفلفلة] كالشكل الشائع. أي أن أمكنة الاختباء لا بد أن تعود قبل أن تستطيع [الفراشات الفاتحة] الاختباء. لكن من الواضح أن هذه ليست هي الحالة."[١٠]
انخفض تواتر الفراشات الغامقة في الولايات المتحدة في جنوب شرق ميشيغان من أكثر من 90% إلى أقل من 20% بين عامي 1960 و1995، بشكلٍ موازٍ للانخفاض في بريطانيا. لكن "حصل في غياب تغيرات ملحوظة في الفلورا المحلية للأشنيات" مما جعل غرانت وزملاؤه يستنتجون أن "دور الأشنيات قد تم تضخيمه بشكل غير ملائم في الدوريات حول تطور الاغمقاق"[١١]. وحديثًا لاحظ سارجنت وزملاؤه أن "الانخفاض الحديث في تواتر الاغمقاق في الفراشة المفلفلة في أمريكا الشمالية، حيث لا يبدو أن الميزة الخفية للاغمقاق قابلة للتطبيق" أمرٌ "مربكٌ" لرأي القصة التقليدية[١٢].
ما السبب في ذلك؟ لم يستعمل كيتلويل أماكن الراحة المعتادة للفراشات المفلفلة. في تجاربه حرر الفراشات مباشرة إلى جذوع الأشجار، واعترف بأنهم "لم يكونوا أحرار في اختيارهم مكان الراحة ..أعترف بأن، إذا تركوا لخيارهم، فإن العديد سيتخذ مواضع أعلى في الأشجار."[٤] إلا أنه افترض أنه يستطيع تجاهل هذه الملاحظة. قبل الثمانينات تبنى معظم الباحثين افتراض كيتلويل، وافترض العديد منهم أنه يمكنهم إجراء تجارب الافتراس باستعمال عينات ميتة ملصقة بالصمغ أو مثبتة بالدبابيس على جذوع الأشجار[١٣]. وأشار بعضهم إلى شكوكهم في هذه التقنية حيث لاحظ كوك وبيشوب أن الفروقات في نتائجهم "ربما تدل على أنهم لم يقيموا بصحة الطبيعة الحقيقية لأماكن راحة الفراشات الحية عندما أجرينا التجارب على الفراشات الميتة."[١٤]
معظم الصور المدرسية للفراشات المفلفلة تظهر عينات وضعت يدويًا على جذوع الأشجار[١٣]لكن منذ الثمانينات أصبح واضحًا أن الفراشات المفلفلة لا ترتاح هناك في الظروف الطبيعية. فلاحظ ميكولا أن "مكان الراحة الطبيعي للفراشات المفلفلة أسفل الفروع الصغيرة، الأفقية بشكل أقل أو أكثر...والنوع ربما نادرًا ما يرتاح على جذوع الأشجار". وبالتالي "نتائج كيتويل تفشل في إثبات الافتراس النوعي لأشكال معينة من الفراشات المفلفلة بوساطة الطيور أو المفترسات الأخرى في الظروف الطبيعية."[١٥]وقد أكد عدة باحثون مشاهدات ميكولا[١٣].
إن حقيقة أن الفراشات المفلفلة لا ترتاح طبيعيًا على جذوع الأشجار يبطل صحة تجارب كيتلويل ويطرح مشكلة خطيرة على التفسير التقليدي للاغمقاق الصناعي في الفراشات المفلفلة. هذا لا يستبعد دور التخفي والانتقاء الطبيعي لكن الأدلة لا تدعم التفسير بشكله الحالي. ورغم ذلك مازالت الكتب المدرسية تقدم هذه القصة بحذافيرها كدليل على فعل التطور. أليس من المضلل إظهار صور الفراشات المفلفلة على جذوع الأشجار في حين أنهم لا يرتاحون عليها في البرية.
حالة أخرى من التطور الصغروي
رغم كل المغالطات المرتكبة في التجارب الهادفة إلى تفسير سبب تغير تواتر الفراشات الغامقة في المناطق الملوثة، إلا أن القصة بحد ذاتها غير خلافية لدى الخلقيين والمعارضين للنظرية الدارونية[١٦]. فالخلاف في نظرية داروين ليس كيف تتغير الأنواع عبر الزمن، بل نشوء الأنواع. وهذه الحالة هي من حالات التطور الصغروي الذي تحصل فيه تغيرات تحت مستوى النوع، ولا تؤدي إلى نشوء نوع جديد البتة[١٧]. بل إن هذه الحالة من التطور الصغروي حالة ضئيلة جدًا، فهذا التغاير (أي وجود الفراشات الغامقة خلافًا للفاتحة النموذجية) لم ينشأ نتيجة تغير البيئة، بل كان موجودًا قبل الثورة الصناعية. وكل ما حدث هو تغير في نسبة الفراشات الفاتحة إلى الفراشات الغامقة والتي سرعان ما عادت إلى حالتها الأصلية بزوال الضغط الانتقائي، والنتيجة النهائية صفر.
- ↑ https://en.wikipedia.org/wiki/Peppered_moth_evolution
- ↑ Majerus, M.E.N. Industrial Melanism in the Peppered Moth, Biston betularia: An Excellent Teaching Example of Darwinian Evolution in Action Evo Edu Outreach (2009) 2: 63.
- ↑ https://www.britannica.com/animal/peppered-moth
- ↑ ٤٫٠ ٤٫١ ٤٫٢ Kettlewell, H B D (1955). "Selection experiments on industrial melanism in the Lepidoptera". Heredity. 9 (3): 323–342.
- ↑ Cook LM, Saccheri IJ. The peppered moth and industrial melanism: evolution of a natural selection case study. Heredity (Edinb). 2013;110(3):207-12.
- ↑ Lees, D., & Creed, E. (1975). Industrial Melanism in Biston betularia: The Rôle of Selective Predation. Journal of Animal Ecology, 44(1), 67-83.
- ↑ R.J. Berry, "Industrial melanism and peppered moths (Biston betularia [L.])," Biological Journal of the Linnean Society, 39:301-22, 1990.
- ↑ H.B.D. Kettlewell, The Evolution of Melanism, Oxford, Clarendon Press, 1973.
- ↑ D.R. Lees et al., "Atmospheric pollution and industrial melanism," Heredity, 30:227-32, 1973.
- ↑ B.S. Grant, R.J. Howlett, "Background selection by the peppered moth (Biston betularia Linn.): individual differences," Biological Journal of the Linnean Society, 33:217-232, 1988
- ↑ B.S. Grant et al., "Parallel rise and fall of melanic peppered moths in America and Britain," Journal of Heredity, 87:351-7, 1996.
- ↑ T.D. Sargent et al., "The 'classical' explanation of industrial melanism: assessing the evidence," Evolutionary Biology, 30:299-322, 1998.
- ↑ ١٣٫٠ ١٣٫١ ١٣٫٢ https://www.the-scientist.com/?articles.view/articleNo/19443/title/Second-Thoughts-about-Peppered-Moths/
- ↑ J.A. Bishop, L.M. Cook, "Moths, melanism and clean air," Scientific American, 232[1]: 90-9, 1975
- ↑ K. Mikkola, "On the selective forces acting in the industrial melanism of Biston and Oligia moths (Lepidoptera: Geometridae and Noctuidae)," Biological Journal of the Linnean Society, 21:409-421, 1984
- ↑ http://www.icr.org/article/what-difference-between-macroevolution-microevolut
- ↑ http://www.newworldencyclopedia.org/entry/Macroevolution