الأعضاء الأثرية
تعد الأعضاء الأثرية من أكثر حجج التطور انتشارًا وذكرًا. وتسرد هذه الحجة كالتالي: هناك أعضاء في الكائنات الحية بما فيهم البشر، كانت وظيفية في مرحلة ما في الماضي التطوري، لكنها أصبحت الآن عديمة الفائدة أو ذات فائدة ضئيلة. يُستشهد بالأعضاء الأثرية كدليل قاطع على التطور في كثير من المواقع والمدونات التطورية، ناهيك عن الكتب التطورية[١][٢]. إضافة إلى ذلك، يعتبرها التطوريون أيضًا حجة تفند نظرية التصميم الذكي لصالح نظرية التطور الدارونية[٣].
تعريف بالأعضاء الأثرية
وفقًا لقاموس أكسفورد العضو الأثري هو [عضو] متنكس، أو رديمي أو ضامر، أصبح عديم الوظيفة في مسار التطور[٤]. ناقش داروين ما دعاه "أعضاء رديمية وضامرة" ووصف هذه الأعضاء بأنها "تحمل طابعًا بسيطًا من عدم الجدوى" وقال أنها "شائعة جدًا أو حتى عامة في الطبيعة."[٥]وفي كتابه انحدار الإنسان عدد داروين مجموعة سمات تشريحية بشرية مثل ضرس العقل والزائدة الدودية وعظم العجز وشعر الجسم وزعم أنها غير مفيدة الآن، وكان ذلك بالنسبة له دليلًا قويًا على انحدار الإنسان من أسلاف بدائية[٦]. ثم وسع عالم التشريح الألماني روبرت فايديرشايم هذه القائمة عام 1893 لتشمل 89 عضوًا. من هذه الأعضاء الغدة الدرقية والغدة النخامية والغدة السعترية واللوزات والزائدة الدودية[٧]، وقد أثبتت فائدة كل هذه الأعضاء فيما بعد، بل ثبت أن بعضها ضروري لحياة البشر.
هل هي غير مفيدة حقًا؟
مازالت الكشوفات تتوالى حتى الآن لتكشف وظائف أعضاء وبنى وصفت فيما سبق بأنها عديمة الوظيفة والأهمية. وسنذكر بعض الأمثلة.
الزائدة الدودية
وفقًا للمدونات التطورية هذا العضو ليس إلا بقايا من أسلافنا آكلي الأعشاب. فالزائدة الدودية تساعد الحيوانات آكلات الأعشاب على هضم الأعشاب، بتخمير النباتات فيها، لكنها ضمرت وفقدت وظيفتها لدى البشر . بل يعيش الإنسان بعد استئصالها دون أي مشاكل تذكر، فلا بد أنها عضو ضامر لا فائدة منه.[٨]وذهب البعض بالتنبؤ باختفاء هذا العضو مستقبلًا فهو لا يسبب إلا الالتهابات والأمراض. لكن الأبحاث الحديثة أثبتت عكس ذلك، فالزائدة الدودية ذات وظائف متنوعة، خاصة فيما يتعلق بالمناعة. فهي وفقًا لهذه الأبحاث الحديثة، محفوظة جدًا لدى البشر والتشوهات فيها نادرة جدًا، مما يدل على دور هام لهذه البنية[٩]. وسنذكر بعض الوظائف المعروفة لها:
أولًا هي كثيفة بنسج لمفاوية تشبه بقع باير في الأمعاء (ما يدعى بالنسيج المعوي المعدي اللمفاوي أو GALT اختصارًا)، فقد أصبحت الزائدة الدودية تعد من الأعضاء اللمفاوية الثانوية في الأمعاء. ويعتقد في هذا الصدد أنها ذات دور تكراري، فيما يدعى بالتكرار البيولوجي، وهو أمر منتشر وشائع في الطبيعة، وحتى في التصاميم البشرية، حيث تُكرر بعض الجمل الوظيفية الأساسية تحسبًا، في حال فشل أحدها، مثلًا لا نفقد البصر إذا أصيبت إحدى العينين بفضل العين الأخرى ولا نفقد السمع إذا أصيبت إحدى الأذنين، ولا نموت إذا أصيبت إحدى الكليتين[١٠] وكذلك ينطبق الأمر على الأجهزة الهامة لحياة الإنسان. والزائدة الدودية ليست شاذة عن هذه القاعدة، فالتكرار منتشر في الجهاز المناعي وهو ضروري لإعطاء استجابة قوية ضد العوامل الممرضة[١١].
ثانيًا، الزائدة الدودية موقع أساسي لتحريض وإنتاج الغلوبولينات المناعية IgA في الأمعاء. تُحيد هذه الأضداد البكتريا والفيروسات ولها دور مضاعف في حماية الإنسان. فهي تربط المكروبات الممرضة والسموم بألفة عالية مما يسهل إزالتها، في حين تربط البكتريا المفيدة بألفة منخفضة، فتنظم حجمها وتركيبها[٩].
ثالثًا، إيواء البكتريا النافعة. الزائدة الدودية بنية فريدة، مفتوحة على لمعة الأمعاء وبنفس الوقت محمية من تيار البراز وما يحمله من بكتريا مرضية. فهي تقع في نقطة استراتيجية بين الأمعاء الدقيقة والغليظة وتؤوي البكتريا النافعة الأكثر تنوعًا وغزارة مقارنة بأي عضو في الجسم. مثلًا، عند إصابة الأمعاء ببكتريا مرضية (إسهال) تقضي على البكتريا النافعة، تشكل الزائدة الدودية مكانًا آمنًا تستطيع البكتريا النافعة منه إعادة الانتشار في الأمعاء بعد انتهاء العدوى[٩][١٢] (كما في الشكل).
قد يفكر المرء: مادامت الزائدة الدودية بهذه الفائدة فلم لا يتأثر الإنسان عند استئصالها؟ والجواب أن من يعرف الجسم البشري يعلم أنه مصمم بإبداع متقن، فهو مصمم لتحمل خسارة أعضاء وبنى بحيث يبدو ظاهريًا غير متأثر، لكن الدراسات ما زالت غير مكتملة في هذا الصدد. فقد أشارت عدة دراسات إلى ارتباط استئصال الزائدة الدودية مع تطور حالات التهابية تتراوح من مرض الأمعاء الهيوجة ومرض القلب إلى اضطرابات مثل مرض باركنسون. كما أن غياب الزائدة الدودية يتنبأ بنتيجة أسوأ في عدوى المطثية العسيرة Clostridium difficile. أخيرًا، جاء في مجلة العلوم الأمريكية المرموقة أنها مهمة خصوصًا في بداية الحياة لأنها تحقق أعظم نمو في فترة قصيرة بعد الولادة ثم تتراجع مع العمر لتصبح بالشكل الذي هي عليه فربما هي مهمة في نضج المناعة المعوية خلال نمو الطفل[١٣].
أخيرًا بالنسبة لضرر الزائدة الدودية على الإنسان بكثرة حالات التهابها، فقد أثبتت عدة دراسات أن زيادة حدوث التهاب الزائدة الدودية مرتبط بتبني أسلوب الحياة الغربي سواء في البلدان الأفريقية أو الأوربية[١٤]. ففي عام 1989 نشرت نشرة شهيرة عن ارتباط التهاب الزائدة الدودية وغيرها من أمراض العالم المتقدم بانخفاض التعرض للبكتريا[١٥] . مثلًا يبلغ وقوع التهاب الزائدة لدى الأطفال في الولايات المتحدة 35 ضعف مقارنة بوقوعه في مناطق أفريقية لم تتعرض لنظام الحياة الغربي بشكل كامل[١٦].
الخلاصة الزائدة الدودية ذات أهمية كبيرة في جسم الإنسان، بل لعل القارئ يفاجئ إن علم أنها تنقض التطور لا العكس. فقد أشاروا إلى أنها موجودة لدى البشر والقرود apes لكنها تختفي لدى القرود السفلى lower apes، ثم تظهر مجددًا في الحيوانات الأسفل منها . وفقًا للسيناريو التطوري تطورت الكائنات آكلات الأعشاب إلى القرود السفلى والتي تطورت بدورها إلى الإنسان، فكيف اختفت الزائدة الدودية ثم ظهرت مرة أخرى![١٧] ليس هناك تفسير تطوري لهذه الفجوة الواضحة.
المراجع
- ↑ https://www.livescience.com/21513-vestigial-organs.html
- ↑ https://www.independent.co.uk/news/science/7-useless-body-parts-we-no-longer-need-a6820821.html
- ↑ Kitcher P. Living with Darwin, Evolution, Design, and the Future of Faith. Oxford University Press; 2009.
- ↑ https://en.oxforddictionaries.com/definition/vestigial
- ↑ Darwin C, Padel R. The Origin of Species, And, The Voyage of the Beagle. Vintage Books USA; 2009.
- ↑ Darwin, Charles (1871). The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex. (1st ed.). London: John Murray. ISBN 0-8014-2085-7.
- ↑ R. Wiedersheim, The Structure of Man: An Index to His Past History (London: Macmillan and Co., 1895).
- ↑ https://www.livescience.com/21513-vestigial-organs.html
- ↑ ٩٫٠ ٩٫١ ٩٫٢ Girard-madoux MJH, Gomez de agüero M, Ganal-vonarburg SC, et al. The immunological functions of the Appendix: An example of redundancy?. Semin Immunol. 2018;
- ↑ https://en.wikipedia.org/wiki/Redundancy_(engineering)
- ↑ Nish S, Medzhitov R. Host defense pathways: role of redundancy and compensation in infectious disease phenotypes. Immunity. 2011;34(5):629-36.
- ↑ https://www.sciencedaily.com/releases/2007/10/071008102334.htm
- ↑ https://www.scientificamerican.com/article/does-the-appendix-serve-a/
- ↑ Laurin M, Everett ML, Parker W. The cecal appendix: one more immune component with a function disturbed by post-industrial culture. Anat Rec (Hoboken). 2011;294(4):567-79.
- ↑ Barker DJ, Osmond C, Golding J, et al. Acute appendicitis and bathrooms in three samples of British children. Br Med J (Clin Res Ed)1988;296:956-8
- ↑ Bickler SW, DeMaio A. Western diseases: current concepts and implications for pediatric surgery research and practice. Pediatr Surg Int, 2008
- ↑ http://www.newworldencyclopedia.org/entry/Vestigial_organ