مقاومة المضادات الحيوية

من Wiki Tanweer
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المقاومة للمضادات الحيوية دليلًا على التطور "الكبروي"

المقاومة للمضادات الحيوية إحدى أكثر الأمثلة المستشهد بها على التطور، باعتبارها مثالًا حيًّا لعمل التطور، بعكس الأمثلة الأخرى المعتمدة على التخمين. فما هي المقاومة للمضادات الحيوية؟ وهل تحسم فعلًا مسألة التطور؟

المقاومة للمضادات الحيوية

المضادات الحيوية بالأصل منتجات طبيعية تنتجها بعض المكروبات لتثبط المكروبات الأخرى في بيئتها.اكتشف ألكساندر فليمنغ 1928 أول مضاد حيوي من عفن الخبز (وهو البنسلين) فاتحًا الباب أمام معجزة القرن العشرين. فبعد أن كانت العداوى المكروبية تقتل ملايين البشر، أمكن التصدي لهذه الأمراض بدواء سحري، وسرعان ما بدأ إنتاج مضادات حيوية أخرى من مكروبات أخرى غير العفن. لكن "الفرحة لم تكتمل" وبدأت تظهر بعض البكتريا المقاومة لهذه الأدوية، نتيجة سوء استعمالها. ولم يشفع للمرضى إنتاج أدوية جديدة، بل ظهرت جراثيم مقاومة لعدة مضادات حيوية معًا (ما يدعى بالجراثيم الفائقة superbugs).

اعتمدت هذه المقاومة على عدة آليات جزيئية مثل التحطيم الإنزيمي للدواء، ومنع دخول الدواء للخلية المكروبية، وتعديل الموقع الهدف للدواء ولفظ الدواء بسرعة خارج الخلية. من أبرز الأمثلة البنسلين، حيث ظهرت بكتريا تملك أنزيمًا خاصًا لتحطيم هذا الصاد الحيوي يدعى بيتا لاكتاماز.[١]

انتشرت مقاومة المضادات الحيوية بين البكتريا  سريعًا واستفحل أمرها، وكان من أبرز أسباب ذلك سوء استعمال الدواء. فعند استعمال الدواء تموت البكتريا الحساسة للمضاد الحيوي، وفي حال عدم إكمال المساق الدوائي والقضاء على جميع البكتريا، تبقى البكتريا المقاومة، وبالتالي ترث الذرية التالية المقاومة، وترتفع نسبة البكتريا المقاومة إلى أن تصبح المهيمنة في جماعة نوعها.

مقاومة المضادات الحيوية دليل على التطور!

كثيرًا ما يتحدث الدارونيون عن تطور الإنسان من الأسلاف الشبيهة بالقرود والتي بدورها تطورت من الزواحف التي تطورت من الأسماك وهلم جرًا. وبسبب عدم رؤية هذا النوع من التطور على أرض الواقع، يحاول الدارونيون الاستشهاد بالمقاومة للمضادات الحيوية كمثالٍ حيٍّ لعمل التطور والانتقاء الطبيعي، مرتكبين مغالطات جسيمة في ذلك، ومن هذه المغالطات:

1. المقاومة للمضادات الحيوية تطور صغروي وليس كبروي

أولًا مقاومة المضادات الحيوية ليست تطورًا كبرويًا، ورغم أن الدارونيين يستنتجون التطور الكبروي من التطور الصغروي فهذا أمر مختلف، وثمة جدل حتى بين علماء البيولوجية التطورية أنفسهم (انظر التطور الكبروي) حول صحة مدِّ التطور الصغروي ليشمل التطور الكبروي. التطور الكبروي يشمل تغييرات فوق مستوى النوع، في حين أنه رغم اكتساب البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية، إلا أنها تظل نفس النوع ولا تتغير إلى نوع آخر. فالحجة مكونة من قسمين: تطور مقاومة المضادات الحيويو تطور صغروي (القسم الأول) وبالتالي فإن التطور (بمعنى التطور الكبروي، مثل تطور الإنسان من أسلاف شبيهة بالقرود) حقيقي (القسم الثاني). لا خلاف على القسم الأول ولو أن هناك أيضًا بعض الملاحظات التي سنناقشها، لكن استنتاج القسم الأول من الثاني مغالطة كبيرة ومساواة بين التطور الكبروي والصغروي.

2. المقاومة للمضادات الحيوية لم تخلق بنىً جديدة

رغم ذلك، قد يفكر المرء في أنّ تطوير أنزيمٍ جديدٍ مخصص لتحطيم البنسلين (البيتا لاكتاماز) في غضون بضعة عقود أمر لافت للنظر وليس أمرًا هينًا. وهنا إحدى الأفكار التي يوحي بها الدارونيين دون مزيد من التوضيح، أي الاستشهاد بالمقاومة للمضادات الحيوية دون ذكر حقيقة أن كثيرًا من هذه المقاومة لم تظهر بالعقود الماضية. فقد أظهرت دراسة مثلًا أن عمر جينات البيتا لاكتاماز (التي تمنح مقاومة البنسلين) ملايين السنين[٢]، فهذه الجينات موجودة قبل اكتشاف البنسلين بوقت طويل جدًا. والفكرة الثانية المهمة هي ما يدعى بالانتقال الجيني الأفقي horizontal genetic transfer، حيث أن البكتريا تتبادل المعلومات الجينية فيما بينها وبالتالي فإن المقاومة في أحد الأنوع يمكن أن تنتقل إلى نوع آخر، فهي مختلفة عن الكائنات الحية الكبيرة في أنها تتبادل المعلومات الجينية. باختصار، الضغط الانتقائي الناجم عن انتشار استعمال المضادات الحيوية لدى البشر أدى إلى انتشار جينات المقاومة، وليس بنائها من الصفر، فقد كان كثيرٌ منها موجود. أما النوع الآخر من الطفرات المستجدة فهي طفرات نقطية[١]، والتي تؤدي غالبًا إلى فقدان وظيفة أو إضعافها مثل تثبيط أنزيمٍ ما أو بروتين ناقل، ورغم أنها تعد مفيدة من حيث أنها تزيد من قدرة البكتريا على البقاء على قيد الحياة، إلا أنها لا تصلح كآلية جينية لتفسير نشوء بنى جديدة في البكتريا، فضلًا عن الحيوانات الراقية.

3. أعداد البكتريا لا تقارن أبدًا بأعداد الكائنات الكبيرة

لا يمكن مقارنة البكتريا بالكائنات الكبيرة، ليس فقط بسبب تميزها بآلية الانتقال الجيني الأفقي التي تسمح للبكتريا باكتساب جينات من أنواع أخرى، في حين أن الكائنات الكبيرة لا تحصل على الجينات إلا بالانتقال العمودي، أي من الآباء. بل أيضًا بسبب أعدادها الهائلة مما يجعل قانون الاحتمالات في صالحها. يكفي أن عدد البكتريا في يومٍ واحد في قرية أي شخص قد يفوق عدد أجداده حتى السلف المشترك المفترض مع الشمبانزي.